المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابراهيم عبد القادر Headshot

الحوثي نتيجة فراغ الّلادولة!

تم النشر: تم التحديث:

عشنا وما زلنا مغيبين عن الدولة ككيان وجودي، وعمد علي صالح لتفريغ ثقافة وجود الدولة على الأرض من أجل حسابات تخصه هو تضمن له البقاء والاستمرارية، أدخل المتناقضات في هذا الشأن، فأوجد القبيلة بقوتها وجعلها بمثابة الدولة، وأوجد أيضًا السلاح وفرّغ كل ما من شأنه أن يُعطي للدولة هيبة ووجودية في وجدان المواطن؛ لذا كان من الطبيعي أن تنطلق شرارة الثورة في 2011 ومن الطبيعي جدًّا أن يغضب الناس جميعًا لأنهم وجدوا أنفسهم خارج كل الحسابات، وبلا كيان ينتصر لهم ويُعيد لهم أقل حقوقهم المهدرة التي صُودرت منهم بداعي السياسة الحمقاء، والتجهيل المتعمّد.

الحوثي هو أحد الأدوات التي أتخذ منها (علي صالح) وسيلة للسطو على وجودية الدولة وثقافتها في الوجدان اليمني، لقد جعلهم أحد أهم الركائز التي أظهرته وكأنه الرجل المنقذ فخاض معهم الحروب الكوميدية التي كان ضحيتها الجيش المشتت، والمواطن أيضًا، لقد استطاع بهذه الحروب أن يجلب الغنيمة التي سعى وخطط لها، واستطاع أن يُمرر بدهية مشروعه الهزيل القائم على استغلال المتناقضات لتوسعة النفوذ والسطو على حق الشعب والأمة؛ هو كذلك بالنسبة للحوثي أستغل ولا زال تلك الحروب الكوميدية التي شنها نظام (صالح) ليتّخذ منها وسيلة لـ "ادعاء المظلومية" التي استخدمها منذ سطوه على الدولة وانقلابه على الشرعية، للتوسّع والانتشار متخذًا السلاح وسيلة لذلك والمظلومية ذريعة للتنكيل بمن يقفون ضد مشروعه الذي يتعارض مع الكون والإنسان.

اليوم نُشاهد حوثي غير الحوثي الذي كان عليه في السابق منذ أن طرأ على الحالة اليمنية المعقّدة، نرى حوثي ينتشر بيسر وسهولة في كل مناطق الجمهورية، ولعل هذا من الطبيعي جدًا والذي لا غرابة فيه، فمجتمع اللادولة يهيئ دومًا لكل المتناقضات الضعيفة أن تقوى وتبرز للسطح، بل يعطي ضوء أخضر للإرهاب أن يأخذ مكانه المناسب ويقوم بالدور الذي أضعفته الدولة وضيعته، إنه من المسلمات أن يكون نتيجة الفراغ الشيء الذي يسده ويقوم بذات المهمة، فالمليشيا لا تتغذى إلا على الفراغات التي تتركها القوة الوجدانية ومن البداهة أن يُغريها لتسد الفراغ الناتج عن الخلل، بل كل المعطيات مهيئة لها؛ وأي وسيلة تتخذها للتعامل مع الآخرين ستكون منطقية، ولذلك وُجِد الحوثي.

إن مجتمع اللادولة ـالذي كان أحد أهم وسائل علي صالح في البقاءـ هو العامل الوحيد والأساسي الذي جعل من الحوثي بهذه القوة والهيلمانة الوهمية، ووحدها اللادولة من منحت هذه المليشيا هذا الميدان المرعب الذي يُهدد الإنسان والوطن معًا، ولعل (السيد) يُدرك أنه لولا هذا الفراغ لما كان له قيمة تُذكر، ولولا غياب الدولة عن القيام بمهامها وواجباتها لما جعلت منه بقوة البارود أن يواجه جيشًا بل ويطرده ويتحداه علنًا وبكل بجاحة وقبح. إنه من البداهة أيضًا أن يبيع بعض القادة العسكريين وطنهم وبزتهم العسكرية ولعل هذه الخيانات المتكررة تظهر بجلاء ووضوح أن السبب هو غياب منهجية الدولة وثقافتها عن وجدانهم أولًا ووجدان المواطن والواقع على كل حال والذي أغراهم ليقوموا بأعمالهم المشينة السيئة الذكر، ولولا هذه المعطيات لما تجرأ أحد أن يكون غطاء للمليشيا الحوثية ويعطيها الضوء الأخضر للقضاء على بذور بداية الدولة التي نحلم بها وقمنا بالثورة وما زلنا فيها، فسعوا بكل قواهم المدعومة إقليميًا لتمييع أي شيء يُشير إلى عودة الدولة وبسط نفوذها من أجل أن يسهل عليهم السطو والسيطرة متخذين من الدولة وسيلة ساذجة ومسميات مستهلكة لا تنفع مع فكر السيد القادم من سرداب التخلف وعمامات الجهل والاستكبار والكهانة والدجل.

جميعنا يعلم أن مشاكل اليمنيين كلها تكمن في غياب الدولة، غيابها وتقصيرها عن القيام بواجباتها ومهامها. الأزمات بكل ما فيها المصطنعة، والواقعية يعود أسبابها لسياسة (تغييب الدولة) قسريًّا وهزليتها في التعامل مع ما يهتك شرفها وهيبتها، ولعل هذا هو ما أغرى المليشيا أن تستكبر وتقتل وترهب الناس بدءًا بصعده وانتهاء بعمران والسطو على الدولة، والتعامل مع الناس وفرزهم من منطلق عصبوي قبيح، وجعل كل البشر (إرهابيين) تمهيدًا لاجتثاثهم ترسيخًا لثقافة التخلف التي ثار عليها شعبنا منذ خمسين عامًا والتي مضمونها: قتل كل من يُخالف السيد، ويقف ضد حكمه باعتباره حكمًا إلهيًّا.

إرهاب الحوثي يتوافق تمامًا مع فراغ اللادولة، وانتشار ميلشياته منطقيًّا أيضًا متناسق مع غياب الدولة، توسعهم اللافت جدًّا نتيجة بديهية لانهيار الدولة بفعل فاعل أو غير ذلك، وأيضًا ليس غريبًا أن تظهر للسطح مسميات جديدة ودواعش أخرى تنتهج ذات النهج وذات النسق حتى لو تغيرت الشعارات والأفكار وتلبست بالفضيلة والوطنية، وتلك نتائج حتمية لفرض أمر واقع متعلق بالسطو الميليشاوي على الدولة وكيانها كوجدان روحي وواقعي للناس.

الحوثي وحقيقة الفكر والشعار المستهلك!
قبل أن ينتفش الحوثي ويزداد قوة ـ بفضل العوامل الأممية والمحلية ـ كان يتعامل في استقطابه للناس بوسيلة الفرز السلالي المتعلق بــ (آل النبي) كونهم وحدهم المعنيين بأن يكونوا في دائرته وهم وحدهم أيضًا من يجب أن يُبذل الجهود لأجلهم من أجل إقناعهم بأنه السلالة الطاهرة التي يجب أن تكون رأس الهرم الهاشمي، والتي اليوم يتم قتل الناس كونهم لا ينتمون لتلك السلالة، ومنح كل من يدخل تحتها كل المميزات للحد الذي يُصبح الميت من السلالة له طريقة للدفن تختلف عن غيرها، بينما الإنسان الآخر يُرمى للكلاب تأكله، ويبقى أسيرًا لا حاجة، ولا معنى له أيضًا، ووهو واقع الحوثي اليوم الذي يتعامل مع أنصاره الذي يرسلهم للموت في كل مدن اليمن، وحدث وأن تفحّمت جثث بعضهم دون التفكير في رفعها، لولا تدخل الصليب الأحمر رعاه الله من سلالة..

الشعارات العدائية للغرب وللأمريكان على وجه الخصوص الهدف منها جلب الناس وخاصة شعبنا الذي يُعادي أمريكا بالفطرة، والشعار أساسًا مُصطنع وخميني المنشأ ويُراد استنساخ الثورة الإيرانية في اليمن، ولكم أن تلاحظوا خطابات (نصر الله) بالمقاومة والجهاد إلى أتى الربيع العربي وعراه وفضحه، ليس بمعزل عن تطورات الحوثي التي انفضحت لشعبنا، وعرفوا حقيقة الشعار المستهلك والكاذب، فمقاومة معاييرها مزدوجة لا يمكن أن تنطلي على شعوبنا التي أصبحت تفكّر بالثورة والغضب أكثر من أي زمانٍ مضى، والتزيّن بالوطنية لا يمكن أن ينخدع بها الناس مهما كان حاملها، ورافع شعاراتها.

اليوم كل من ينتمي لبني هاشم مطالبين بتحديد موقفهم من جرائم ميليشيا الحوثي، يجب أن يكون لهم صوت واضح وبارز وجلي يخرج للشعب، يوضحوا من خلاله براءتهم من انتماء الحوثي الكاذب الذي أصبح وصمة عار في حقهم، ما لم يحدث هذا فهم مشاركون في الدماء التي يريقها الحوثي، بل هم غطاء لكل إرهابات الحوثي التي تفوق إرهاب بني إسرائيل، وسيأتي الدور عليهم بكل تأكيد حتى لو التزمو الحياد، لإن الحوثي لا يعرف لغة سوى لغة "أنت معاي أنت في أمان، ضدي لن تعرفه" وواقع اليوم تقوده العقول التي تنتصر للعقل الجمعي الذي فرّخته المليشيا، ولا واقع غيره باعتقادي يمكن أن يُفرض.

وإلى ما تبقى في بلادنا من أناس وطنيين أقول لهم:
إن تهاونتم في واجباتكم فأنتم لا تقلون خطرًا عن خطر الحوثي وأي تطرّف آخر، أمامكم مسئوليات عظيمة وتاريخية، أجمعوا أمركم وأحزموا أصواتكم، ولململوا الشتات وانبذوا الفرقة والخلاف واعتصموا حول الوطن الذي تتقافذه الرياح والأمواج العاتية بمؤامرات كونية، أعيدوا للوطن اعتباره بتحالفات صادقة غايتها الوطن ورايته الجمهورية الخفاقة، انتصروا لما تبقى فيه من أمل وأعيدوا لحمة هذه البلاد التي كانت ولا زالت تلفظ الأنفاس الأخيرة، والشعب سندكم، ولن يكون بمعزلٍ عنكم، وسيكون في الصف الذي تريدونه أنتم حينما تصدقون الله القول والفعل والعمل سرًا وعلانية.