المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حذيفة حمزة Headshot

مواليد 1994

تم النشر: تم التحديث:

( 1 )
أن تعيش طفولتك ومراهقتك في الكويت فهذا أمرٌ مريح خاصةً على المستوى الماديّ، أمّا أن تقضي إجازة الصيف في حواري شبرا الخيمة فهذا أمرٌ مرهق خاصةً على المستوى النفسيّ.
في الكويت تقريبًا لا يوجد فقراء من الوافدين أي أولئك الذين تركوا أوطانهم بحثًا عن لقمة العيش، أمّا المواطنون فيختلفون فقط في درجات الغنى، سيارتان أم ثلاث؟، فيلا أم شقة فاخرة؟

في شُبرا يتكسر المَثل القائل بأنه لا يوجد من ينامُ دون عشاء أمام الواقع المُوحش، ذلك الواقع الذي لا يمنح أيّة فرصة لأحدهم في أن يعيش مراحل حياته الطبيعية، فما أن تصبح قادرًا على السير والكلام فأنت مُطالبٌ بجلب المال!

كان السؤال الذي يدور في خلدي حينها، لماذا لم يخلقنا الله جميعًا أغنياء؟ لماذا يعيش هؤلاء ويموت أولئك وفي الوسط نقف نحن لا ندري لأي فريقٍ ننتمي؟
ففقط الصدفة أوجدت "فهدًا" في أرض تطفو فوق البترول ليحيا حياة مترفة لا يشوبها سوى الشائبة الأزلية "باريس أم لندن؟"، بينما في الجانب الآخر وعلى النقيض، نجد "محمود" مضطرًّا لقيادة أحد التكاتك في الصيف ليوفر مصاريف الدروس الخصوصية!

لست معترضًا على القدر وأعلم أن لله حكمةً قد لا نُدركها، لكنني أبحث عن العدل، لا أنشد المساواة، فقط بعض التحسن لهؤلاء الذين قتلهم الفقر قبل أن يحيوا.

( 2 )
هاتف صديقي لم يتوقف عن الرنين، هل أرد؟، بماذا سأجيب عليهم؟، صديقي الذي أخذته من منزله يومها إلى الميدان ثم اختفى عن ناظريّ بين زخات الرصاص..

- السلام عليكم، أحمد معايا؟
= لا يا طنط، أنا حذيفة صاحبه بس هو نسي موبايله معايا
- طب هو أحمد فين؟ حصله حاجة؟ قولي بالله عليك
أصمت للحظات قبل أن أكمل..

= والله يا طنط ما أعرف، أنا سيبته وهو كويس وتهنا من بعض ..

لم يتوقف الهاتف عن الرنين طوال ساعات الفض وتكررت هذه المكالمة عشرات المرات، حتى أتى الخبر اليقين؛ لقد قُتل أحمد.
طوال ساعات الفض كان سؤالي موجهًا لرب هذا العالم، أين أنت؟ إن لم تتدخل الآن فمتى ستتدخل؟، ألسنا نحن حماة دينك؟، أين نصرك الذي وعدت؟ إن لم تنصرنا نحن فمن الذي ستنصره؟، أولئك الذين يقتلوننا؟ أستغفر الله سريعًا قبل أن تصيبني رصاصة طائشة وألقاه على هذه الأسئلة!

( 3 )
كطفل ثم كمراهق نشأت وسط جماعة الإخوان، وسط أسوارهم التي بنوها حولنا خوفًا من أن نتركهم ونتجه إلى الجزء الآخر من العالم، لكن بمرور الوقت أدركت أنه من المستحيل أن أكمل الطريق معهم، حيث إنني لم أختر هذا الطريق بالأساس، سأتركم وسأتجه إلى رحابة العالم وأكتشف طريقي بنفسي، وما إن تشرع في تسلق أسوارعالمهم للخروج منه ستتكرر محاولات منعك لإعادتك مرة أخرى لكن عند نقطة معينة تتوقف هذه المحاولات ويتركونك لتكمل تسلقك، وما إن تنجح و تصل إلى العالم الآخر، سَتُصدم، لأنك لن تجده في انتظارك فاتحًا ذراعيه مرحبًا بك، ستجد العالم الجديد يحاول التخلص منك ومن أمثالك، ستجد الرصاص ينطلق عشوائيًّا نحوك دون مقدمات، فيما تبدو عاجزًا حتى عن تحريك ساكن، ستدرك أنك لم تكن مؤهلًا بعد للخروج من عالم الإخوان أولًا وعالمك الخاص الذي تواجه فيه الأشرار على صفحة " الفيسبوك " خاصتك ثانيًا ، لتواجههم في أرض المعركة، حيث لا مكان للكلام والنقاش ووضع التصورات والتحليل، وستكتشف أنّ السخرية المستمرة من الطغاة هناك لا تضعف جيوشهم على الأرض.

وستدرك أيضًا بعد وقت ليس بالطويل أن العدل ليس سوى صفة ارتبطت بسيدنا عمر وأن لا وجود لها الآن وأنه لا ينبغي عليك البحث عنها، وأنه لا فرق بين "المومس" والعلماء الذين يخترعون قنابل الفناء.

في النهاية يا صديقي، ستجد نفسك أضعف من أن تُقاوم وأقوى من أن تَستسلم.