المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حذيفة عبدالمطلب Headshot

مقابر الأحياء.. السجن 1

تم النشر: تم التحديث:

من الذي اخترع السجن؟ هذا سؤال ظل يلاحق الكثيرين من الناس، لم يرد نص إلهي منزل من السماء يقول أن هذه العقوبة ضمن العقوبات المنزلة.
من الذي اختار السجن إذن؟! أهو واحد من اثنين؟ إما عبقري في فن العبودية إلى الحد الذي اكتشف فيه شيئًا يمكن أن يقتل الحرية، أو عبقري في فن السلطة والاستحواذ عليها إلى الحد الذي يشبع نهمه في التفرد، فهو لايطيق أن يرى من يخالفه الرأي يجلس إلى جانبه ويكون ندًّا له.

تعريف السجن
إذا وضعت هذه الجملة في محرك البحث فطبقًا للقوانين والدساتير والمظاهر الجمالية المنمقة ستخبرك بأن السجن هو: (تقييد حركة الشخص أو تعويقه من التصرف في نفسه في مكان بموجب القانون لجرم ارتكبه أو لاتقاء شره أو ردعه عن استمرار ارتكابه للجرائم مع الاحتفاظ بكرامته تحت الحبس) هذا هو التعريف الذي تصدره الأنظمة للشعوب.

لكن بالنظر في المعنى الحقيقة له فإنه: تدني الكرامة إلى أقل مستوياتها، والطريق الذي يحترفه السجّان ليُهين به السجين .
السجن: هوالإذلال والإهانة والتجريد من كل معاني الإنسانية وكسر حاجز الحياء عندك.

لم تكن السجون قديمًا إلا مكانًا يعزل فيه المحكوم عليهم بعقوبات بدنية انتظارًا لتنفيذ الحكم، ومع التطور وظهور العقوبات السالبة للحرية أعدت هذه المنشآت لاستقبال المحكوم عليهم وبقائم فترة العقوبة داخلها، وكانت تقوم بعزلهم عن المجتمع اتقاءً لشرهم حتى لحظة الإفراج عنهم. وبالتالي فكرة السجون ليست بالحديثة بل هي من أقدم العصور.

فقد ذكر القرآن الكريم أن السجون كانت موجودة منذ عصر فرعون وموسى، وكانت كذلك في عهد عزيز مصر والنبي يوسف، أما عن موسى فذكر على لسان فرعون: "قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ" وهنا استخدم موسى قوته الفكرية ومبدأه وعقيدته، فكان رد فرعون أو إن شئت قل رد الطغاة على أي فكرة أو منطق يكون القوة أو القتل والحبس، هكذا يكون الرد على الفكرة بمحاصرتها وقتلها قبل أن تترسخ الفكرة في عقول من يملكون الفهم.

ومن بعد موسى يوسف مع عزيز مصر؛ حيث أُلقي في السجن إلى أن تذكره الساقي عند ربه "وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ".

كيف جاء الإنسان بفكرة العبودية هذه؟ من شيطان الجن الذي دل شيطان الإنس على فكرة الفوقية، فوقية السادة والباقي عبيد ليس لهم من حريتهم شيئًا، لم يخلقوا إلا من أجل خدمة سادتهم، سادتهم الصفوة الخالصة من دماء البشر، وهم حيوانات بدماء ملوثة ليس لهم إلا فتات العيش، ويرتعوا في الحظيرة والسجود والانحناء بين أيديهم حتى يحصلوا على الفتات الذي يُبقيهم على قيد الحياة.
(يولد الناس أحرارًا) هكذا صرخ ابن الخطاب في وجه ابن العاص ليخبره بحقيقة بدهية، لكن الإنسان استطاع أن يشوة حقيقة الحرية حين ظن أن القوة تملكها، وأن الناس عبيد يذوبون في رحا السلطة.

كان من ضمن معاني السجن أن تعزل السجين عن المجتمع والعالم الخارجي، لكن إذا نظرت في أول حالة سجن إن جاز لنا أن نسميها كذلك في صدر الإسلام وكانت تخص الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو، فكان تعامل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مختلف لأنه يفهم الفطرة البشرية جيدًا واحتياجها للحرية؛ فقام -صلى الله عليه وسلم- بعزل المجتمع عنهم أي أنه لم يُقيد حريتهم في مكان ثابت وحبسهم، بل عزل الناس عنهم فكانو وسط الناس ولكن معزولين لا يكلمهم أحد، يبيعون ويشترون ولكن دون كلام، فكان يمارس حياته كالذهاب إلى العمل والأسواق ولكن دون أن يتحدث معهم أحد، فلم يرد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان له سجن، وكذلك أبوبكر، واختلف الناس في عهد عمر، فمنهم من قال إنه لم يكن سجنًا قط ومنهم من قال إنه ابتاع دارًا في المدينة وكانت مخصصة للذي يرتكب الجرم ويُحبس حتى يُستتاب ويرجع عن فعلته، لكن الجميع أجمع على أنه لم يحبس بالمدة.

أما السجون في العصور الوسطى
فتعتبر إنجلترا من أول البلاد التي عرفت السجون وكان الأفراد المحكوم عليهم يودعون في القلاع والحصون الحربية، وكان يتم إخضاع السجين للعمل والإصلاح حتى يمكن ردعه دون الاهتمام بحقوقه.

أما في القرن التاسع عشر فيعتبر هو البداية الحقيقة لتطور هذة المؤسسات فكان رجال الكنيسة، يرون أن الجريمة خطيئة وإثم، مما يتطلب من المذنب لهذه الجريمة أن يتوب، وكان يودع المخطئ في الكنيسة ويحبس انفراديًّا لأنهم يرون أن الانفراد يجعل الفرد أكثر تقربًا إلى الله، والعزلة تساعد الإنسان على الطاعة والتوبة سريعًا.

ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى إنشاء سجون مخصصة لأصحاب الجرائم المتشابهة، فسجن (أوبرن) في أمريكا كان يتميز عن سابقية بأنه يعطي الفرصة للحياة في السجن وذلك بالعمل الجماعي نهارًا والانفراد ليلًا، فكان هذا يؤدي إلى تفادي الأضرار النفسية التي تحدث على السجين من عزله عن العالم، وكان يتميز هذا النظام بقلة التكاليف بالمقارنة بنظام (بنسلفانيا) حيث الزنزانات الانفرادية التي لا تشمل أي مُرافق خاص، فكان يقترب نظام (أوبرن) من الطبيعة البشرية.

كان أحد السجناء يقول لماذا نحني رأسنا للأبواب كلما تقدمنا، وتُظلم الممرات كُلما مشينا؟ تسوء أحوال السجون كلما تقدم بنا الزمان، بل أصبح السجٌان يفكر في كيفية ابتكار أسباب أكثر إذلالاً وإيلامًا.

عقوبة السجن من أبشع وأحط العقوبات التي استخدمها الجنس البشري في تاريخه كله لعقاب الفرد المذنب، فالمذنب يخلع على أعتاب السجن آدميته وكرامته واختياره وحريته وحياته، فالسجن ليس عقوبة واحدة بل عقوبات بعضها فوق بعض من الجرائم النفسية والجسدية التي تُرتكب في حق المُذنب وأهله وذويه، كل ذلك مقابل جرم واحد، فالسجن مقبرة للآدميين الأحياء بل إن مقبرة الآدميين الموتى لهي أكثر كرامة وعزة وصونًا وشرفًا وراحة على ضيقها من مقبرة الآدميين الأحياء

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع