المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 حسين علاوي Headshot

السياسة الدولية الدينية والصراع الصفري

تم النشر: تم التحديث:

في احدى السفرات وأنا منطلق على إحدى الطائرات لحضور برنامج متخصص في القيادة والسياسات العامة قبيل إعلان كيان داعش الإرهابي في العراق والشام، وجدت العديد من المسافرين كانوا يتحدثون عن الأوضاع في العراق والتأثر بما يحدث في سوريا، وكتبت على إثر ذلك مقالة في الجهاز اللوحي الذي كان لدي لكن للأسف دارت الأيام ولم أستطيع تدوين هذه المقالة في عام 2014 في نيسان على ما أذكر وعنوانها " السياسة الدولية المتدينة والصراع في الشرق الأوسط " .

جل فكرة المقالة آنذاك أن الصراع الديني في الشرق الأوسط وصل إلى مراحل متقدمة من عدم القدرة في السيطرة على أزمة الشرق الأوسط وهو الصراع الديني- السياسي وخصوصاً بين الدول الرئيسية في المنطقة (السعودية، إيران، تركيا) وإن ساحات الصراع الإقليمي وخصوصاً الجبهة السورية مهيئة لصراع أكبر من صراع بين سلطة مركزية يحكمها البعث في سوريا وثوار ومتمردين على النظام السوري يسعون لإعادة بناء النظام السياسي السوري من جديد في مرحلة ما بعد الربيع العربي، بما يحقق الهدف الأساس لأنموذج الدولة الوطنية الذي دعا إليه الوزير الأمريكي السابق في عام 2004 كولن باول حول ضرورة إنشاء أنظمة ديمقراطية قائمة على الوزن الديمغرافي الهوياتي لإعطاء مزيد من الحرية لخيارات الاندماج وبناء الدولة الوطنية الجديدة في الشرق الأوسط الجديد، وجاءت كونداليزا رايس من بعده من على صفحات مجلة الشؤون الخارجية لتتحدث آنذاك عن صورة الشرق الأوسط الجديد، لكن النظام العربي آنذاك رفض الفكرة وعدنا الى نهايات السبعينيات من القرن الماضي بإذكاء عش الدبابير بالجماعات الإرهابية من حيث المقاتلين والسلاح والتمويل وكان ضحيتها الشعب العراقي الذي انبرت السياسات الإقليمية للوقوف أمام أسوار هذه النظرية لنشوء الدولة الجديدة لمرحلة ما بعد اتفاقية سايكس بيكو القديمة (الدولة المركزية العسكرية) .

إن العودة إلى السياسة الدولية الدينية مازالت آثارها عميقة في الشرق الأوسط، والذي جعل المناخ الأمني يصل إلى مرحلة كبيرة في منبع الأديان السماوية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كون أن السياسة لم تدرك أن التطرف الديني والكراهية العميقة من الممكن أن تكون ذات ارتداد عكسي لنظرية صناعة بؤر لقمامة الفكر المتطرف والإرهابي والتحول من ميدان عش الدبابير إلى كومة من القوة والقدرة والأداء لهذه الجماعات الإرهابية الناشئة على ظلال الكراهية والصراع الديني والطائفي والفقر والبطالة وهكذا كان حال نشوء الكيانات الإرهابية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (التنظيمات الشبكية الإرهابية العابرة للحدود) لتأخذ بريق اللحظة التاريخية من تنظيم القاعدة الإرهابي وتتحول إلى كيانات كبيرة نامية وتعمل لأول مرة على حلم راود الشباب المعزول اجتماعياً لنشوء الدولة الإسلامية عبر رمزية الخليفة (القائد الوالي) والقدرة على استخدام كل وسائل الإذعان الإرهابية للمجتمعات المحلية لبناء عقد اجتماعي قائم على حد السيف والدم، وهكذا نشأت من مواقع التوتر في دول (سوريا، العراق، مصر، مالي، نيجيريا.. الخ) ليعلن من خلالها التنظيمات الشبكية الإرهابية والتي استخدمت لأول مرة قدرة التكنولوجيا الرخيصة والمتوفرة على مواقع التواصل الاجتماعي للقيادة والتوجيه والسيطرة والاتصال، ونجحت لأول مرة في تمويل كياناتها الإرهابية في أغنى منطقة في الشرق الأوسط وهي الهلال الخصيب عبر سوريا والعراق من خلال الاقتصاديات السوداء للنفط والآثار والفدية وتجارة الحبوب والماشية وتجارة الرق والأعضاء البشرية والمخدرات والسلاح، ولتبدأ أولى تباشير نشوء الدولة في العراق والشام وما أطلق عليها ((الدولة الإسلامية في العراق والشام)) وكانت الحدث الأكبر وقعاً على أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية والعربية، والتي لم تكون متهيئة لمواجهة قدرات متنوعة من مقاتلين يقدرون على الأقل بأكثر من 30 ألف مقاتل يحصلون على مبايعة من مقاتلين منتشرين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسط وأوربا ليصل عدد المقاتلين الأجانب إلى أكثر من 70 ألف مقاتل منتشرين في كل دول العالم .

إن السياسة الدولية الدينية جعلت الشرق الأوسط منقسما على ذاته في ظلال الصراع الطوباوي للحرب المقدسة ( HOLLY WAR ) والتي طالما كانت فكرة موثقة ومدونة في الكتب السماوية لنهايات الزمان .

السياسة الدولية الدينية في مرحلة ما بعد هجمات باريس قد عادت مرة أخرى إلى الصراع الصفري، الذي يحتاج الآن من الجميع للعودة إلى خط البداية وهو التسامح والحوار والقبول بالآخر والتنازل عن الأفكار الصفرية المعقدة سواء الصادرة من الدول الغربية صاحبة مشاريع التخطيط بعيدة المدى أو الدول الجديدة والنامية صاحبة التجارب السلبية التي لم تستطيع لحد الآن الوصول إلى دولة الإنسان وفقاً لقيمها وجوهر القيم الإنسانية التي نلتمسها في الكتب السماوية .

إن قدرة دول العالم على دحض أفكار مدارس الإرهاب والتطرف والغلو الفكري التي تنشأ ليس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فحسب بل على مستوى العالم من جميع الديانات والتيارات الفكرية للصراع السرمدي الصفري فإنه سيقتل العالم وعلى كل مساحات الفجوة تنتظر القوى الإرهابية الفرصة للنيل من الإنسان نتيجة تصاعد وتيرة السياسة الدولية الدينية نحو الحرب .

إن الربيع المقبل هو ربيع الأمل نحو أفق جديد في السياسة الدولية والتنازل عن بعدها الديني بعد أن أصبحت أداة توظف بصورة سيئة لقتل الإنسان وإرهابه من خلال منصات الحياة العامة التي ابتكرت لرفاهية الإنسان وسعادته .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.