المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

اللغة ... مفتاح النجاح في كندا

تم النشر: تم التحديث:

إذا أردت عزيزي المهاجر أن تفهم كندا وثقافتها، وتستغل قدراتك على أكمل وجه للإنطلاق فيها، فلا خيار لك سوى إتقان لغتها، فاللغة الإنجليزية هي عدستك الوحيدة التي سترى بها كندا، واعلم أنها حصنك الوحيد كي لا تبقى على قارعة الطريق تتسول المارة، ولا أدري كيف يمكن لمهاجر أن يبتغي النجاح في بلد لا يُتقن لغتها؟! بل كيف له أن يحمل جنسيتها وينضم إلى شعبها ويفهم ثقافتها؟ ذلك أمر مستحيل. واعلم أنَّ الحاجز الكبير الذي يمكن أن يفصلك عن المجتمع الكندي ... ليس عِرقك العربي أو دينك الإسلامي، بل جهلك بلغتهم التي تُشكِّل ثقافتهم وهويتهم، فمن دون إتقان تلك اللغة ... اعتبر نفسك تعيش خارج كندا حتى لو كنت داخلها، باختصار ... ليس لك أي قيمة!

لا تستغرب عزيزي القارئ إن قابلت الكثير من تلك النماذج في كندا، فوقتها ستكتشف بعض الأسباب التي أدت إلى زيادة معاناة المهاجرين على المستوى السياسي والمالي والإجتماعي، فمن دون إتقان الإنجليزية بالشكل الذي يُمكِّنك من قراءة الصحف اليومية ومشاهدة نشرات الأخبار والأفلام الأجنبية من دون مُترجم، فأنت لن تستطيع قراءة حقوقك في الدستور ... ولا إيجاد عمل ... ولا الإلتحاق بجامعة ... ولا التعبير عن رأيك في الإعلام أو القضاء أو المجتمع، وستصبح كندا بالنسبة لك قبر كبير قد قضى على جميع طموحاتك بالكامل.

طبعاً أنا لا أتكلم عن كبار السن الذين جاؤوا إلى كندا برفقة أولادهم وقد ناهزوا الخمسين فما فوق، ولا أتكلم عن الأطفال الذين سيُتقنون الإنجليزية بسرعة الضوء، ولكن أتكلم عن الفئة المتعلمة التي تلقت تعليمها بلغة غير الإنجليزية، وجاؤوا إلى كندا ومازالوا لا يُتقنونها، فعلى سبيل المثال خريجو كلية الطب في بعض الدول العربية يجدون صعوبة بالغة في استعمال الإنجليزية لأنهم درسوا الطب بالعربية، الشيء الذي يُرهقهم جداً خلال إمتحانات معادلة شهاداتهم في كندا لمزاولة مهنة الطب، والكثير منهم يستسلم ويترك المهنة التي يُحب، ويتحول للعمل في المطاعم والمقاهي ومركبات الأجرة وغير ذلك، أما الطَموح منهم صاحب العزيمة ... فيتحمل عناء المعادلة حتى النهاية، ولكنه ينعم بحياة طيبة بقية عمره.

لو أخذنا مهاجري الهند كمثال حقيقي في كندا، سنجد أنهم أجدر على الإنخراط في المجتمع الكندي وسوق العمل أكثر من غيرهم، لأن الإنجليزية أساسية في تعليمهم الأكاديمي منذ الصغر، على خلاف خريجي الجامعات العربية، من ناحية أخرى، قد نلاحظ أنَّ رجال العرب يُتقنون الإنجليزية أكثر من إناثهم، والسبب إما يعود إلى أنهم درسوا في جامعات إنجليزية، أو أنَّ مجال عملهم كان باللغة الإنجليزية، بينما في الحالة الهندية ستجد رجالهم ونساءهم يتقنون الإنجليزية من دون أية مشكلة.

هذا الإتقان رفع من مستوى الإستقرار لدى الجالية الهندية في كندا مقارنة مع العربية، فهم أجدر على إيجاد عمل بشكل أسرع بسبب إتقانهم الإنجليزية رغم صعوبة نطقهم لبعض الحروف، لكن هيكل اللغة وقواعدها سليم تماماً، بل يَتَحدَّون الكنديين بالقواعد الإنجليزية والتي يجهلها الكثير من أبناء كندا، كما أنك ستلاحظ أنَّ نساء الهند كثيراً ما يعملن في الوظائف الحكومية التي تحتاج للغة قوية ومتينة من قراءة وكتابة ومحادثة، ناهيك عن أنَّ هذه الوظائف مريحة جداً للمرأة، ونساء العرب أيضاً يمكنهم أن ينافسوا عليها لو أتقنوا اللغة.

الحكومة الكندية أدركت حجم المشكلة التي وقعت على رأسها بسبب جهل نسبة كبيرة من أهالي المهاجرين للغة الإنجليزية، ولأنها تحتاج لهم جميعاً، قررت الحكومة الإستثمار بهم وتعليمهم الإنجليزية بالمجان من خلال دورات رسمية وإمتحانات يتم من خلالها تقييم المهاجر وتصنيفه في الصف المناسب، وجُلُّ تركيزهم على النساء المهاجرات لأنهن كثر ... وطاقة مُهدرة، فقاموا بتوفير حضانة مجانية لأطفالهم داخل المدرسة نفسها حتى تتفرغ الأم تماماً لتَعلم الإنجليزية ... وهذا عمل عظيم.

لكن هذه الدورات ليست بالقوة المطلوبة لدخول الجامعة مثلاً، فهي فقط تعطي أساسيات اللغة، والسبب يعود إلى مستوى الطلبة المتدني جداً، مما يضطر المهاجر الذي ينوي الإلتحاق بالجامعة إلى التسجيل في دورات متقدمة على نفقته الخاصة حتى يتمكن من مواكبة الدراسة الأكاديمية.

هناك من عاش في كندا ما يفوق العشرين عاماً ومازال لا يُتقن لغتها على الإطلاق ... الجسد في كندا والروح خارجها، وأذكر قصة حدثت مع أحد الأصدقاء الذي استقدم أخاه الأصغر كمهاجر جديد إلى كندا، وعندما وصل الأخ في أيامه الأولى، كان يجلس في مقهى يحتسي القهوة وحيداً، فتعرف على شباب عرب يعملون في مجال البناء والأعمال المهنية، وبعد فترة وجيزة من الصحبة، أقنعوه أن يعمل معهم في مجال البناء والذي لا يحتاج إلى تعلم الإنجليزية، ومنذ ذلك الحين وبعد أكثر من سبع سنوات وهذا الأخ لا يتقن اللغة حتى يومنا هذا، لأنه لم يكن يتقنها أصلاً قبل الوصول إلى كندا، ولم يُكلف نفسه بتعلمها بعد الوصول ... وكأنَّ الأمر فيه اختيار! ومخالطته لأصدقاءه العرب الذين هم أيضاً لا يتكلمون الإنجليزية أجهزت على أي أمل في تعلمها، بل أجهزت على أي أمل في الحصول على الجنسية الكندية والتي من شروطها اجتياز امتحان اللغة، واليوم بعدما تقدم به العمر وأصبحت الجنسية الكندية مطلباً أساسياً، إضطر إلى الإلتحاق بتلك الدورات حتى يتمكن من إجتياز إمتحان اللغة.

يقول نيلسون مانديلا: (إذا تحدتث إلى شخص بلغة يفهمها، فذلك سيذهب إلى عقله، أما إذا حدثته بلغته الأم، فذلك سيذهب إلى قلبه)

وهذه المقولة من أصدق ما سمعت في حق اللغة، وبما أني باحث إجتماعي أهوى مراقبة حركة المجتمع والسلوك البشري، أستطيع أن أروي لك ملخص لبعض مشاهداتي في هذا المجال، ولنأخذ المرأة المسلمة في كندا مثالاً على ذلك، فعندما تراقب مسلمة محجبة في محل تجاري تخاطب بائعاً كندياً بلغة إنجليزية ركيكة وضعيفة، يتمعَّر وجه البائع دون أن يشعر، لأنه أصلاً لا يُعجبه حجابها ولا منظرها الذي يَشذ عن المنظومة الإجتماعية التي تعود عليها منذ الصغر ... وجاءت لغتها السيئة لتقضي عليه تماماً، ولكن لو راقبت نفس الموقف مع مسلمة أخرى تتحدث الإنجليزية بطلاقة مع نفس البائع، فستراه قد ابتهج وجهه ولم يُلقي بالاً لحجابها ... فقط لأنَّ لغتها قد ذهبت إلى قلبه سهلة سلسة كما تعود أن يسمعها، ولم تذهب إلى عقله الذي كان يحاول ترجمة اللغة الركيكة التي سمعها من المحجبة الأولى، وهذا من سحر اللغة وإتقانها، والتي تُزيل الكثير من الحواجز بين الأمم المختلفة.

أكثر الحالات إهانة في كندا، هي تلك التي يعتقد فيها قادة الجاليات العربية والإسلامية أنهم قادرون على تمثيل الجالية والمنافحة عن حقوقها دون أن يتقنوا الإنجليزية، أو عندما تكون لغتهم ثقيلة في اللفظ ... لا تفرق بين أوزان حروفها ومخارجها، وتجدهم يتسابقون للخروج على القنوات الكندية للمشاركة في مناظرات سياسية حادة لا ترحم، ليتلقوا بعدها الصفعات والإهانة تلو الإهانة بسبب عدم قدرتهم على التعبير عن آراءهم ... وفي النهاية ينقلب الحق باطلاً وإهانة للجالية أجمع!

تخيل نفسك تستمع إلى وافد هندي على قناة الجزيرة يتحدث العربية المُكسرة كتلك التي نسمعها في شوارع الخليج العربي، هل ستستمع إلى الحوار المزعج وغير المتزن؟ أم أنك ستغلق التلفاز؟ بالضبط ... هذا هو حال رؤساء بعض الجاليات في كندا مع الأسف الشديد.

الفشل في تعلم الإنجليزية هو فشل في الحصول على هوية في المجتمع الذي تنوي الإندماج فيه، لأنك لست قادراً على التعبير عن هويتك الأصلية والتحدث عنها وإقناع الناس بها، ولا أن تكون فرداً منهم داخل منظومة إجتماعية منسجمة، فاللغة الجيدة مفتاحك الوحيد للنجاح، وهي شيء أساسي لفهم ثقافة البلد الذي أنت فيه، فمن خلالها تعلم من أين أتى هذا الشعب وإلى أين سيذهب، وما هو مكانك بينهم وكيف سيبدو مستقبلك، وتأكد ... من أنه لا حظ لك في كندا إن لم تتعلم لغتها!

دمتم بخير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.