المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

الاختيار.. القوة العظمى

تم النشر: تم التحديث:

2017-12-16-1513435966-5891644-Choice.jpg

حياتنا هي اختياراتنا، فالحياة عبارة عن قرارات متسلسلة من الاختيارات اليومية التي تحدد ملامح عيشنا ومستقبلنا، كما تحدد نجاحنا أو فشلنا، ومن هنا كان لا بد من إدراك أهمية اختياراتنا اليومية التي نُقدم عليها دون أن ندرك مدى جدية العواقب ونتائج هذا الاختيار، مهما كبر الأمر الذي نختاره أو صغر.

فعندما نقارن عالم البشر بعالم الحيوان، نجده مشابهاً له إلى حد كبير جداً من الحاجة إلى الأكل والشرب والملبس والنوم والتزاوج والإنجاب.. إلخ، ولكن الفارق المهم بين العالمين هو الاختيار، هذا المصدر العظيم لقوة الإنسان؛ حيث إنَّ عالمه مليء بالاختيارات بينما تجده منعدماً في عالم الحيوان، الاختيار هو الشيء الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، وهذا ما تؤكده الشريعة الإسلامية في كتب العقيدة على أنَّ الإنسان مُخير في سائر أمور حياته من مولده إلى مماته، ما عدا القضاء والقدر الذي قد يحدث معه في هذه الفترة.

أدرك يا صديقي أنك حر طليق، لم يُجبرك أحد على أن تفعل ما تفعله الآن، أنت اخترت أن تدخل إلى موقعي لتقرأ هذه المقالة بمحض إرادتك الحرة، كان بإمكانك أن تختار شيئاً آخر لتقوم به في هذا الوقت، أو أن تختار أن لا تقوم بشيء أبداً.. هو أيضاً اختيار.

يقول الدكتور هال أوربان، مؤلف كتاب الدروس الكبرى للحياة: (إنَّ ما يدهشني دوماً هو قوة الجدل عند الناس عندما يتم إخبارهم أن بإمكانهم فعل كل شيء بمحض اختيارهم، وهم متمسكون جداً بفلسفة الفرض في الحياة، ومن الصعب عليهم التخلي عنها). ويضيف أوربان: كنت أُدرِّس هذا المفهوم مؤخراً إلى بعض طلاب المدرسة الثانوية في صف علم النفس الاختياري، وكان المثال الذي استعملته هو:
(أنتم اخترتم الحضور إلى الصف هذا الصباح).

وأنا سأراهن براتب شهر بأنني أستطيع التكهن بالرد الأول، وقد جاء بالتأكيد، فقال أحد طلابي المفضلين في الصف: (كلا يا أستاذ، توجب عليَّ الحضور إلى الصف)، فقلت: (كلا ليس كذلك، أنت اخترت الحضور)، وتابع بعد ذلك وهو يُردد بسرعة جميع الأشياء الرهيبة التي ستحدث له لو لم يحضر إلى الصف، فالمدرسة ستستدعي أبويه، وسوف يتم الصراخ في وجهه في البيت.. وربما يُضطهد، وسيمسك به نائب المدير، وستنخفض مرتبته.. إلخ، وبينما كان يهدر بذلك قلت له: (صحيح، لقد قمت باختيار، فلقد اخترت الحضور إلى الصف بدلاً من اختيار نتائج عدم الحضور، ولكنك كنت لا تزال حراً في القيام بهذا الاختيار، وإنَّ بعض رفاقك في الصف ليسوا هنا، وقد اختاروا عدم الحضور في هذا الصباح لأسباب متنوعة، فلربما اختار أحدهم الحصول على المزيد من النوم، أو أخذ عطلة، وربما آخر اختار الذهاب إلى محل الحلويات، ولكنك اخترت أن تكون هنا)، ثم ساعدني في تحقيق أهم نقطة من كل ذلك القول فقال: (لكن هذه طريقة أخرى في النظر إلى الأمر)، فقلت بابتهاج: (ذلك هو بالضبط ما أردت أن تتعلمه، أن تنظر إلى كل يوم في حياتك بتلك الطريقة، وأن ترى الاختيارات بدلاً من الفروض).

مقتطفات عظيمة من كتاب الدكتور أوربان يُبين فيها مدى أهمية الاختيار، ويسقط فيه نظرية الفرض في الحياة، وهذا الشرح الشيِّق لمفهوم الاختيار يُغلق الباب على المتذمرين الذين يشتكون دوماً من كل شيء في حياتهم، وأنَّ حياتهم كلها مفروضة عليهم، وأنَّ الحظ لم يحالفهم في الحصول على فرصة الاختيار، وكل شيء مفروض عليهم من زوجة وعمل ومسكن وأصدقاء.. إلخ، في الحقيقة هذا هراء، قبل أن يُقدم على كل هذه الأمور كان الاختيار قائماً، وقد اختار زوجته وعمله ومسكنه وأصدقاءه بمحض إرادته، بل تجده استمات للحصول عليهم قبل ذلك عندما لم يكونوا في دائرة أهدافه وأحلامه.

لا يتذمر المرء من عمله حتى وإن لم يعجبه، فهو الذي اختاره بدلاً من أن يستدين المال ويتسول على الطرقات، ولا يتذمر المرء أو المرأة من زواجها، فهي التي اختارته بمحض إرادتها، وقد اختارت أن يكون لها زوج وعائلة بدلاً من أن تكون عانساً يجري بها العمر، وتبدأ بعد ذلك بتمني ظل رجل بدلاً من رجل، ومع كل ذلك، ما زال الاختيار قائماً، فالذي لا يعجبه عمله، يستطيع بكل بساطة تغيير عمله والاجتهاد في ذلك، والذي أو التي لا يعجبها زوجها وعائلتها، ما زالوا يملكون الاختيار في الانفصال عن هذه العائلة وبناء أخرى جديدة، الاختيار نعمة عظيمة.

لاحظ معي ما تفعله وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، من أخبار إلى إعلانات إلى برامج.. كلها من أجل التأثير على اختياراتك، هم يعلمون أنهم لو استطاعوا التأثير فيك سوف تختارهم أو تختار سلعتهم أو تختار الحزب السياسي الفلاني، أو تؤيد فلاناً أو تنبذ فلاناً.. كلها للتأثير على اختياراتك.

إذاً نحن نملك قوة عظيمة في حياتنا وهي الاختيار.. نحن فعلاً أقوياء!

والنقطة المهمة الآن هو أن ندرك الأمور التي حولنا حتى نختار الشيء الصحيح لنا والمناسب فعلاً، فإذا فقد الإدراك سيكون الاختيار خاطئاً وغير موفق، الجهل بالشيء يؤدي إلى معاداته، وأنت عندما تجهل ما حولك ستعاديه وتتجنبه بينما من الممكن أن يكون شيئاً جيداً ومفيداً، فالحياة مليئة بالاختيارات، تثقف وافهم اختياراتك قبل أن تقدم عليها.

وأختم بما قاله «جيه. مارتن كوه» مؤلف كتاب قوتك الكبرى: (إن أكبر قوة يملكها المرء هي قوة الاختيار).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.