المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

لماذا لم أشترِ بيتاً في كندا؟ "1"

تم النشر: تم التحديث:

2017-02-27-1488163870-4771170-HomeForSale.png

بداية، دعوني أخبركم بأنني في حياتي كلها لم أقدِّر ما ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف عن أنَّ المسكن الواسع من السعادة في الحياة الدنيا، إلاَّ عندما هاجرت إلى كندا وسكنت الشقق الصغيرة المُعلَّبة! فقد أورد الألباني حديثاً في صحيح الجامع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول فيه: "أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحةُ، والمسكنُ الواسعُ، والجارُ الصالحُ، والمركبُ الهنيءُ. وأربعٌ من الشقاءِ: المرأةُ السوءُ، والجارُ السوءُ، والمركبُ السوءُ، والمسكنُ السوءُ".

كلما تقدم العمر وكبرت العائلة، احتاج الإنسان إلى مساحة أكبر في منزله؛ ليختلي فيها بأفراد العائلة عند الحاجة، بحثاً عن الهدوء من أجل التفكير والإنجاز، ولتخفيف مشاحنات الأسرة التي تكثر بسبب ضيق النفس الناتج عن ضيق المساحة، الأمر الذي يُفسِّر كثرة روَّاد المقاهي والمكتبات العامة في كندا لتوفير نوع من الهدوء يتيح لهم المجال للدراسة وإنجاز الأعمال.

فروَّاد المقاهي والمكتبات ليسوا فقط من طلبة المدارس والجامعات؛ بل أيضاً من الموظفين والعاملين في الشركات الذين لا يجدون كفاية من الهدوء لالتقاط الأفكار من الهواء وتدوينها على الورق، أنا نفسي من ضمن الذين يعانون تلك المعاناة مع المساحة الضيقة جداً.

وعلى الرغم من حاجتي الشديدة لتلك المساحة، فإنني آثرت البقاء في الشقق المُعلَّبة؛ لأنني لم أقتنع بفكرة شراء منزل في كندا، ولديَّ أسبابي الوجيهة التي قد تتفق عليها فئة من الناس وتختلف أخرى.

الذين يشترون البيوت في كندا ويتكبَّدون عناء الديون البنكية غالباً ما يُرددون الأسباب التالية التي دفعتهم لذلك القرار المُرهق: "الحرية" و"الاستقرار" و"الاستثمار"، وأنا شخصياً لا أرى أيَّاً من تلك المصطلحات ينطبق على العقار الكندي، ففي حقيقة الأمر العقار في كندا هو الذي يملكك وليس أنت من تملكه!

دعونا نتكلم اليوم عن قضية الحرية لأنها مهمة جداً، ففي كندا إذا أردت النجاح، فعليك أن تكون حراً بكل ما تعني كلمة الحرية من معنى، وعليك تقليل القيود التي تفرضها عليك ثقافة الحياة في كندا، الأمر الذي أدركته مُبكراً في حياتي؛ لأن لي أهلاً قد استوطنوا في أميركا منذ عقود، وكنت شاهداً على معاناتهم مع امتلاك العقار هناك، والوضع في أميركا شبيه جداً مع الوضع في كندا.

فمن تلك القيود التي تفرضها عليك الثقافة الكندية هو شراء المنزل الذي يُقيدك بسبب الطريقة التي ستتملكه بها من جهة، والتكاليف الملازمة له على مدار السنة من جهة أخرى.

فمن الحرية التي يجب عليك أن تتمتع في كندا هي حرية الانتقال بين مدن كندا ومقاطعاتها بحثاً عن الرزق إذا تطلب الأمر ذلك، فالفرص في كندا تتقلَّب كثيراً والاستمرار في وظيفة واحدة لمدة سنتين أصبح أمراً نادراً في كثير من الوظائف، خصوصاً في أيامنا هذه التي تعاني فيها كندا كباقي دول العالم من أزمات اقتصادية جرَّاء هبوط أسعار النفط وغيرها.

فبعض المهن لا يمكن لها أن تجعلك مستقراً في مكان واحد، وما حدث في مقاطعة ألبرتا خلال العامين الماضيين خير دليل على ذلك، فتلك المقاطعة تعتمد اعتماداً كلياً في دخلها على استخراج النفط وتصديره، وقد خسر الكثير من سكانها وظائفهم مع هبوط أسعار النفط العالمية، الأمر الذي أدَّى ببعضهم إلى هجر المقاطعة إلى أخرى بحثاً عن عمل، وبالطبع قاموا بتسليم بيوتهم التي اقترضوا ثمنها إلى البنوك لعدم قدرتهم على دفع القسط الشهري للرهن العقاري، وبالتأكيد هنالك الكثير من الخسارة المالية صاحبت ذلك التسليم بسبب كثرة المعروض في السوق، وانعدام الطلب، وبالتالي خسارة مبلغ كبير تم دفعه على المنزل كدفعة أولى لحظة شرائه لا تقل عن 20% من قيمة المنزل.

يمكن مشاهدة التقرير التالي من قناة CBC الذي يُسلط الضوء على هذه الأزمة في تلك المقاطعة، التي يمكن لها أن تحدث في أي مقاطعة أخرى (Mortgage Defaults in Alberta).

خلال حياتي، تنقلت بين الكثير من البلدان وسكنت أكثر من قارة حول الأرض، وفي كل مرة كان يقيني يزداد بأنه لا يوجد أفضل من أن تكون دائماً على أهبة الاستعداد للانتقال، وذلك بسبب صعوبة العيش في مكان واحد، وحرية التنقل تحتاج إلى أن تكون حراً في المال الذي تملكه (Cash is King)، فإذا كان مالك مرتبطاً بعقار واضطررت إلى الرحيل، فقد يكون من الصعب تحويله إلى سيولة مادية، إن لم تكن سوق العقار جيدة للبيع في ذلك الوقت.

عندما هاجرت إلى كندا، سكنت مدينة لندن في مقاطعة أونتاريو، وأحببت أن أستقر فيها، وكنت على وشك شراء شقة على أمل أن أجد فيها عملاً، ولكن بعد بحث مُضنٍ لم أجد فيها أي فرصة عمل، وجاءتني الفرصة في مدينة (سكاربرو - Scarborough) التي تبعد ثلاث ساعات عن لندن، وكنت بين أن أختار البقاء أو الانتقال إلى مدينة قريبة من مكان عملي الجديد، وبالطبع قمت بإلغاء فكرة شراء العقار في لندن، وانتقلت إلى مدينة ميسيساجا؛ لتقل فترة قيادة المركبة من ثلاث ساعات إلى ساعة واحدة.

رأيت في كندا بعض الناس الذين أصرُّوا على البقاء في بيوتهم التي اشتروها، ورفضوا الانتقال لوظائف في مدن ومقاطعات أخرى بسبب ذلك العقار، وكانت النتيجة تراكم الديون وفوائدها ومن ثم الفقر، وبالطبع كان بمقدورهم عرض البيت للبيع والانتقال، ولكن الأسباب التي تمنعهم من ذلك كثيرة، منها أنَّ سعر المنزل في السوق لا يكون في أحسن أحواله في ذلك الوقت، أو بسبب التقدم في العمر وعدم الرغبة في الانتقال، وغيرها من الأسباب الكثيرة.

بالمقابل، رأيت نوعاً آخر من الناس رفضوا بيع منازلهم؛ لأنها كلَّفتهم الكثير من المال، وقرروا أن يقبلوا بوظائف بعيدة عن منازلهم، فاختاروا ركوب القطار كي يجمعوا بين فرصة العمل والبقاء في ممتلكاتهم، الرحلة التي قد تستغرق للبعض من ساعتين إلى ثلاث، ولكم أن تتخيلوا التعب والإرهاق الذي يعتريهم لحظة وصولهم إلى منازلهم.

بالنسبة لي ولعائلتي كان امتلاك الحرية أولى من امتلاك المنزل، ونصيحتي لكل من ينوي القدوم إلى كندا مهاجراً، أن يجعل آخر همِّه شراء المنزل، وعوضاً عن ذلك، اجعل أكبر همِّك أن تكون حراً، حراً بامتلاكك السيولة المادية، حراً من الديون، حراً من قيود البنوك، حراً في انتقالك بين المدن والمقاطعات إذا ما اضطررت لذلك، حراً في كل شيء وقدر المستطاع.

كلمة أخيرة: من ضمن الأمور التي دائماً ما تجعلني أصرف النظر عن شراء المنزل، هو أملي في العودة إلى الشرق يوماً ما، فدائماً كان حلمي أن أعود لأساهم في نهضة الشرق، ولا أخفيكم سراً أنَّ هذا الحلم أصبح يتقلص يوماً بعد يوم بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة هناك، ناهيك عن الأزمات السياسية التي لا تنتهي، إضافة إلى تعلقي الذي يزداد بالثقافة الكندية، ورغبتي في أن أستيقظ في كل صباح لأرى من نافذة المنزل شوارع كندا التي أحبها.

نعم نعم، أعلم تماماً أنها أهداف متناقضة، وصدقوني فأنا لا أدري كيف الخلاص من ذلك التناقض؟!

ختاماً، أنا أعلم أنَّ الكثير من الحالمين بالاستقرار في كندا لا يرغبون في أن يسمعوا كلاماً يُنغص عليهم حلمهم، ولكنها الواقعية يا أعزاء، وأنا أرى أنه لا يمكن لنا أن ننهض بأنفسنا من دون فكر واقعي ينتشلنا من عالم الأحلام وقصص المجتمع الخرافية التي غالباً هي أبعد ما تكون عن الواقع!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.