المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

عندما اهتزَّت الطائرة

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى رحلات العمرة، ركبت طائرة العودة من مطار مدينة جدة إلى مدينة الرياض، وكان الحر شديداً، والرياح قوية، والغبار حجب الرؤية، وأذكر وقتها كيف سقط قلبي خوفاً من قوة اهتزاز الطائرة لحظة الإقلاع.

وعلى الرغم من أن الاهتزاز لم يستمر أكثر من عشر دقائق، فإنني شعرت بها ساعات طويلة لن تنتهي.

في هذه الأثناء، وبعدما استقرت الطائرة وسط السماء، كان يجلس بجانبي رجل كبير في السن صحته جيدة، وكان هادئاً طيلة الوقت لم يكترث لتلك الاهتزازات، وعلى ما يبدو فإنه لاحظ الرهبة التي تخللتني لحظة الإقلاع، فأراد أن يواسيني.

* فقال: "لا تقلق.. كل شيء على ما يرام".
- فقلت: "الغبار شديد جداً.. الحمد لله أننا تمكَّنَّا من الإقلاع".

* قال: "الكثيرون لا يعلمون أن في هذا الغبار نعمة عظيم".
- فنظرت إليه باستغراب شديد، وقلت: "أي نعمة بارك الله فيك؟".

* فتبسَّم وقال: "ألا تلاحظ أن الغبار في الجزيرة العربية يشتد في فصل الصيف ويختفي في فصل الشتاء؟".
- قلت: "نعم".

* قال: "هل تعلم أن هذا الغبار يقوم بتخفيف حرارة الشمس من فوقنا؟".
- قلت: "لم ألاحظ ذلك.. ولكن ربما الحرارة تنخفض قليلاً".

* قال: "أنت إنسان مدني تسكن في بيت مكيف وغالباً تعمل داخل مكتب، لكن نحن البدو، نقدّر قيمة تلك النعمة عندما كنا نسكن الخيام في الصحراء!".
- قلت: "أنتم أهل هذه الأرض وأدرى بها".

استدرت بعدها أنظر من نافذة الطائرة وأنا أفكر في كلامه، وقلت في نفسي: سبحان الله! قد يكون كلامه صحيحاً وقد لا يكون، لكن جذبني حسن ظنه بالله الذي قدّر عليهم هذا الغبار الموسمي، الذي لا مفر منه.. فرأى أنه نعمة وليس غضباً ونقمة.

فعلى الرغم من أن الصحراء تنثر غبارها مع كل هبة ريح، فإنها تحمل في داخلها الذهب الأسود، الذي ما كان له أن يكون لو كانت فوقه بساتين مخضرة.

فكما قدَّر الله ذلك الحر والغبار في الصحراء العربية لخير هو يعلمه، قدَّر كذلك البرد والثلوج في شمال الكرة الأرضية لخير هو يعلمه، فسبحانه وتعالى لا يقدر على الأرض إلا الخير، حتى لو كان في ظاهره شر، فهو خير محض، ولكننا لا نعلم.

"وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

وكم ما زال في حياتنا قضايا كثيرة تضايقنا.. ولكنْ فيها خير خفي لم ندركه بعد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.