المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

عندما كنت بين السماء والأرض

تم النشر: تم التحديث:

منذ 13 سنة، سافرت في رحلة عمل من مدينة الرياض إلى لندن مع الخطوط السعودية، وأذكر وقتها أنه كان في نفسي شيء من المضيفات العاملات على متن الطائرة، ولعل هذه الفكرة السلبية التي كوَّنتها عنهن كانت حصيلة قصص كنت أسمعها عن العاملات في هذه المهنة، عندما كنت أقيم في الشرق، فالمجتمع هناك غالباً ما يعتبرها مهنة غير محترمة وفيها شبهة.

عندما انطلقت الطائرة وانطفأت الأنوار، سألت إحدى المضيفات العربيات اللاتي شعرت بأنها بشوشة معي، وكان عمرها قريباً من الخامسة والأربعين، إن كان بمقدورها إيقاظي حينما يدخل وقت الفجر لأداء الصلاة كي لا تفوتني، فرحَّبت وقالت: "لا تقلق.. سآتي لتنبيهك فور دخول الوقت"، ومن ثَم غرقت في النوم.

وبالفعل، أيقظتني المضيفة، وتوضأت وذهبت إلى مُصلَّى الطائرة الذي يتسع لأربعة أشخاص تقريباً، وصليت الفجر بين السماء والأرض بكل أريحية.

وعندما انتهيت من الصلاة، وفي لحظة التسليم على المَلكين وأنا ألف رأسي يمنة ويسرة، لمحت عيني شيئاً أبيض في الخلف، وعندما استدرت كاملاً.. وإذا بها المضيفة نفسها قد توضأت ولبست ملابس الصلاة البيضاء.. واصطفت خلفي لتأتمَّ بي في الصلاة، فنظرت إليها نظرة فيها فرحة ودهشة.. وكأني لم أكن أتوقع منها ذلك!

بالمقابل، بادلتني المضيفة بنظرة لن أنساها وهي تؤدي استغفار ما بعد الصلاة على أصابعها.. نظرة فيها تواضع ورحمة ومسحة عتاب.. وكأنها كأنت تعرف الانطباع السلبي الذي كوَّنته عنها، وكأنها كانت تقول بعينيها: وما يدريك ما الذي أجبرني على هذه المهنة؟
فقامت وقالت لي: "تقبَّل الله".
فقلت لها: "منا ومنكم.. أسأل الله أن يجعلك في الجنة".

ومن ثَم عدت إلى مقعدي وأنا أفكر بهذا الانطباع المُسبق الذي كونته في عقلي عن هذه الفئة من السيدات من دون أي خبرة مُسبقة، ذلك الانطباع الذي لم أكن أنتبه له قبل تلك اللحظة أنه كان يُتعب قلبي ويرهق نفسي بشدة!

جلست أنظر من نافذة الطائرة إلى منظر الشروق، الذي كان له معنى مختلف في تلك اللحظة، فلم يكن الشروق يحدث فقط للشمس في السماء، بل كان يحدث لشيء جميل ما في روحي.

وتساءلت في نفسي: كم يا ترى ما زال هنالك مظلومون في عقولنا؟ حكمنا عليهم اجتماعياً بالإعدام فقط من قصص سمعناها من دون خبرة أو بيِّنة؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.