المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

تحريف النص وإهانة النفس

تم النشر: تم التحديث:

ليس سهلاً على من يعتقد أنه يملك الحق أن يرضى بالرفض والتهميش، خصوصاً إذا كان سليل ذرية حكمت العالم يوماً ما كالمسلمين، فدائماً ما يسعى المسلم إلى فرض نفسه على المجتمعات التي تختلف عنه حتى لو كلَّفه ذلك تحريف النص وإهانة النفس، فالمسلم في الغرب يعاني في عقله الباطني من مشكلة الإندماج في المجتمعات التي تخالفه في الفكر والثقافة والقيَم، ودائماً ما تصاحبه رغبة تلقائية بفرض نفسه لأنه يؤمن بأنه على حق ويملك الحق، والأرض كلها لخالقه الذي بسطها له، فتجده يُبالغ في ممارسة طقوسه الدينية بشكل يُظهر الإسلام قبيحاً ورديئاً جداً.

إنتشر مؤخراً على اليوتيوب تجارب إجتماعية (Social Experiments) لمسلمين في الغرب هدفها من جهة لفت إنتباه الرأي العام الغربي إلى معاناتهم في المهجر جرَّاء العنصرية التي يتعرضون لها، ومن جهة أخرى إظهار الجانب الإنساني لمواطني ذلك المجتمع الأول وتعاطفهم مع المسلمين كبشر، ولا حرج من تلك التجارب لو كانت كريمة وفي سياقها الصحيح، ولكنها غالباً ما تكون مُهينة للمسلمين، وخاطئة علمياً بسبب تصميمها الذي لا يخلو من أخطاء فقهية، لتُخرج لنا إسلاماً مُهاناً ومُحرفاً.

من تلك التجارب التي إنتشرت على الإنترنت، شاب مسلم مُلتحي يقف وسط مدينة تورونتو أعصب العينين، يستجدي المارة أن يُعانقوه لأنه مسلم مسالم وليس إرهابي، ولا يكترث هذا الشاب في نشر صورة المسلم الملتزم وهو يعانق نساءاً لسنَ من محارمه، المهم أن يتعاطفوا معه ويَقبَلوه بأي طريقة.

تجربة أخرى لفتاة مسلمة تؤدي الصلاة وسط مدينة نيويورك، والمشكلة بالطبع ليست في أداء فريضة الصلاة في تلك المدينة، إنما في الفقه الخاطيء لسيناريو تأدية الصلاة، فالمقطع يُظهر المسلمة وهي تفرد سجادتها في مكان عام بين أقدام المارة، الأمر الذي إستفز بعض مواطني تلك المدينة خصوصاً الكارهين للإسلام منهم، فأين الحكمة في مثل تلك التجربة التي إنتهت بشتمها والإعتداء عليها؟ هل هذه دعوة للإسلام؟ في إعتقادي هي أبعد ما تكون عن الدعوة، فهي تشويه للإسلام بأيدي أتباعه، فالدعوة لها أصول وعقول تستند عليها لتحفظ كرامة الإسلام وأتباعه من الإهانة، بشرط توفر الفهم السليم والتطبيق القويم من دون مبالغات تُظهر المسلم في أبشع صورة.

لو قامت هذه الفتاة بأداء فريضة الصلاة كما أمر رسول الله ﷺ يقيناً لن يتعرض لها أحد، فقد نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة في قارعة الطريق الذي يسلكه الناس، أما الطريق المهجور أو جانبه الذي لا يسلكه أحد، فلا بأس من الصلاة فيه، وسبب ذلك النهي أنه يُضيِّق على الناس ويمنعهم من المرور، ناهيك عن التشويش الذي يتعرض له المصلي فيمنعه من كمال صلاته، والصلاة في قارعة الطريق مكروهة، وقد تكون حراماً إذا كانت تضر الناس بمنعهم من المرور، أو إذا عرَّض نفسه للضرر كما حدث مع الفتاة في تلك التجربة البائسة.

عندما أخرج مع عائلتي في كندا إلى الحدائق أو المولات التجارية لوقت طويل ويحين موعد الصلاة، نختار مكاناً للصلاة فيه بعيد عن المارة، ونقوم بذلك في هدوء وأريحية قدر المستطاع، فلا نضايق أحد ... ولا يضايقنا أحد، فالصلاة لله وليست للإستعراض وفرض العضلات في مكان لا يصلح لذلك، وفي النهاية تنقلب العبادة إلى رياء، ولا خير فيها ولن يقبلها الله.

الذي يبدو لي من خلال متابعتي لتلك التجارب أنَّ القائمين عليها لا يكترثون كثيراً للإسلام ونصرته، إنما يكترثون فقط لنصرة أنفسهم وإستجداء المجتمع الغربي بأي طريقة لصالحهم حتى لو كان ذلك على حساب الإسلام وصورته التي تظهر بشكل سيء في تلك التجارب، فنحن دائماً ما نلوم الدعاة والمشايخ في الشرق لأنهم يستخدمون الإسلام لصالح أهواءهم وتبرير أفعالهم، والحقيقة أنَّ هؤلاء في الغرب لا يختلفون عنهم كثيراً، فكلٌ يسعى بأنانية لنصرة نفسه حتى لو كان ذلك على حساب الإسلام.

مشكلة المسلم في الغرب لا تنتهي عند هذا الحد، فهاجس القبول في المجتمع الغربي قد تعدى حدوده بشكل مؤذٍ جداً، فهناك من يرى أنه مضطر لتبرير كل ما يحدث من حوله كما حدث مؤخراً في أورلاندو وقبلها في بلجيكا وقبلها في فرنسا وقبلها وقبلها وقبلها، ومن المهم إدراك حقيقة أنَّ الأمر لن ينتهي ولن يتوقف عند هذا الحد مادام الكون فاقد لتوازنه، وتحكمه قوة واحدة مُعربدة، والكل من حولها سُكارى يُسِّبحون بجبروتها.

ما رأيت هاجساً أخطر على المسلمين من هاجس التبرير، ذلك الهاجس الذي يدفهم دفعاً لتحريف الإسلام كي يكونوا مقبولين في مجتمع لا يفهمونه ولا يُحسنون الإندماج فيه، وعندما يفشلون في تطبيق الإسلام كما أراده الله ... ينفضون عنه، وغداً سترون نتيجة ما جرى في ملهى أورلاندو للشواذ، فقد تم دمج إسم الإسلام بالشذوذ في جميع نشرات الأخبار، لدرجة أنه خرج رؤساء المساجد والمراكز الإسلامية في جنازتهم والترحم عليهم مع يافطات كُتِب عليها إسم الإسلام مُحاطٌ بعلم الشواذ، ونتيجة هذا الدمج ستكون تمهيد الطريق لقبول الشذوذ في المجتمع الإسلامي من خلال تحريف شريعته الثابته، وكل شيء بدأ من التبرير، وكان يكفي إدانة قتل أي نفس خارج إطار القانون من دون الإستماتة أمام كاميرات الإعلام بهذا الشكل المُهين.

أي إسلام هذا الذي نشهده اليوم في الغرب؟ إنه الإسلام الذي تريده الولايات المتحدة والقوى العظمى ... إنه الإسلام الكاثوليكي، إسلام يقبل التبديل والتحريف والتعطيل، إسلام منفصل عن ذاته يناقض نفسه، إسلام أتباعه سفهاء يرفضون نصوص الله الثابته ويتمردون عليها، إسلام أعور يحوم حول الحمى رافضاً الحقيقة بكل معانيها، وبعد كل ذلك التشويه للإسلام، يبقى يدعي أولئك المدمرون أنهم مسلمون!

من سيدفع ثمن ذلك التحريف؟ سيدفعه أولادكم ... ذريتكم التي ستبقى في الغرب، سيدفعون ثمن أنانيتكم وجهلكم وجبنكم وضعفكم اليوم، فقد أسستم لهم ديناً مُحرَّفاً يقودهم إلى الكفر والخلود في جهنم، فدين الله ثابت لا يقبل التحريف، وكاثوليكيتكم الغربية ستقودهم إلى ذلك لا محالة.

ألقاكم - بإذن الله - يوم السبت القادم ١٨ يونيو (حزيران) في حوار مرئي مباشر عبر صفحتي على الفيسبوك لمناقشة أفكار المقال والإستماع إلى مشاركاتكم وتلقي أسئلتكم والإجابة عليها مباشرة في الأوقات التالية:

- توقيت البث المباشر: ٥:٠٠ بعد الظهر (تورونتو) | ١٠:٠٠ مساء (الرباط) | ١٢:٠٠ منتصف الليل (مكة).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.