المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

الإنكار

تم النشر: تم التحديث:

2016-08-12-1470972399-563065-Monkeys.jpg

يوم ما مرض رجل بداء السكري، وأثبتت كل الفحوصات أنه يعاني من ذلك المرض، ولا بد له من مراعاة نسبة السكر في جسمه بحيث يتجنب الأطعمة المحتوية على سكريات عالية، والتي -يقيناً- ستزيد من الحالة سوءاً.

لكن ما حدث كان غريباً، فهذا الشخص تصرَّف بطريقة لم أفهمها، فقد استمر يأكل السكر والحلويات والأطعمة الدسمة وكأنَّ شيئاً لم يكن، وتجاهل إرشادات الطبيب الذي أكَّد له من أنَّ حالته الصحية في تدهور، ولا بد من العمل فوراً على تغيير نمط الحياة قبل فوات الأوان، ولكن صاحبنا بقيَ في حالة إنكار لا يُصدق أنَّ السكري قد غزاه وبقوة، واعتقد -واهماً- أنه لو تجاهل المرض سيزول من تلقاء نفسه، إلى أن فتك به وأفقده بصره، ومن ثم أفقده جهازه العصبي حتى أصبح مشلولاً يُعاني هو وعائلته من ويلات ذلك الإنكار.

من أهم الحقائق التي تعلمتها في حياتي، خصوصاً من علوم الإدارة، أنَّ إنكار ما هو واقع سيقود حتماً إلى تضخم الشيء المُنكَر ليصبح أقوى وأكبر حتى يسود ويُسيطر، ووقتها لن يقوى الإنسان على مواجهة ذلك الواقع المُتضخم، وهناك فرق كبير بين إنكار ما هو موجود وحقيقي، وبين الاعتراف بوجوده والمطالبة بإزالته، فالأول فكر خيالي، والثاني واقعي.

مشاكل الإنكار فيما يخص القضية الفلسطينية كثيرة ومتعددة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الوطنيون دائماً يُرددون أنه لا وجود لإسرائيل، من باب رفضهم احتلالها لفلسطين، وهذا الإنكار أدى إلى الاستهانة بالعدو الإسرائيلي الذي لم يتوقف يوماً عن النمو والتكاثر، وأحب أن أخبر كل المنكرين بأني عندما زرت فلسطين وجدت إسرائيل موجودة وبقوة، بل متجذرة في أعماق فلسطين بشكل يصعب اقتلاعه، ولو كانت الأدبيات الوطنية الكلاسيكية كإنكار وجود إسرائيل تُغيظ العدو، فاليوم بات هذا الإنكار لا يُجدي نفعاً؛ لأنه أدَّى إلى الاستهانة بالسرطان المُستشري على الأرض، ولا يمكن علاج المريض من السرطان إن كان لا يعترف بوجوده، وإلا سيفتك به، ويقضي عليه إلى الأبد.

يستشيط بعض الوطنيين غضباً عندما نذكر دولة الاحتلال باسمها (إسرائيل)، أو نذكر عاصمتها (تل أبيب)، ويذكرونني بعجائزنا الذين كانوا يخافون ذكر اسم مرض السرطان، فإذا أصيب أحد به كانوا يقولون (فلان مُصاب بذلك المرض)، ويقصدون السرطان، ويتحاشون ذكره خشية أن يُصيبهم! والمنكرون اليوم لوجود إسرائيل أو كيانها أو اسمها هم في الحقيقة يخشون منها ومن الاعتراف بوجودها واقعاً على الأرض؛ لأنَّ ذلك الاعتراف سيزيد العبء عليهم، ويجبرهم على تغيير طرق المواجهة، ويصبح لزاماً تغيير نمط التفكير والشعارات الرنانة إلى خطط عملية تخفف من أثر الاحتلال.

قال لي أحدهم: (لا تقل تل أبيب.. وقل تل الربيع)، و"تل الربيع" هو الاسم العربي قبل الاحتلال لمدينة تل أبيب، فقلت له: (وما رأيك باسم مدينة نتانيا؟ لماذا لا أرى أحداً يستاء من ذكرها؟)، فضحك وقال لي: (قل ما تشاء!)، ونتانيا هي المدينة الإسرائيلية التي بُنيت على أنقاض قرية "أم خالد" العربية التي كانت تابعة لمدينة طولكرم.

لا ضير في حفظ التراث الفلسطيني، بل هو واجب على كل فرد يهتم بعودة فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، ولكن ليس لدرجة إنكار الواقع الذي آلت إليه الأوضاع، فشئنا أم أبينا.. اتفقنا أم اختلفنا.. هنالك اليوم دولة كاملة الكيان والأركان تُسمَّى إسرائيل، وعاصمتها تل أبيب.

المشكلة التالية التي تأتي مباشرة عند الاعتراف بالواقع هي تهمة التطبيع! وقد تستغرب عزيزي القارئ إذا علمت أنَّ نسبة ليست بالهينة من أمتنا العربية لا تعلم معنى كلمة تطبيع، فهو مصطلح مشتق من كلمة (طبيعي)، أي جعل الشيء طبيعياً وعادياً، ويتم استخدامها كما هو الحال في القضية الفلسطينية عندما يُقال (التطبيع مع إسرائيل)، أي جعل العلاقات مع العدو طبيعية وعادية كعلاقات الصداقة بين البلدان المسالمة.

الأصل في محاربة التطبيع هو الحصول على نتائج تحد من قوة العدو وانتشاره وتطوره، وذلك من خلال مواجهته على جميع الأصعدة، سواء كانت تلك المواجهة عسكرية أو علمية أو رياضية أو غيرها، ومع الأسف الشديد ما قام به العرب منذ عقود، وما زالوا يقومون به اليوم، يزيد من قوة العدو، ويرفع من شأنه، ويعزز من قوته وسيطرته في كل تلك المجالات، ليس فقط على الأرض التي يحتلها والمقدسات التي يُدنسها، بل حتى على الشعب الذي يسكن هناك، فبينما الوطنيون والقوميون العرب ينافحون لمنع زيارة مدينة تل أبيب والداخل الفلسطيني بحجة محاربة التطبيع، تُمارس إسرائيل على أولئك العرب في الداخل شيئاً يُسمَّى (الأسرَلَة)، التي تعني تحويل الشيء عن أصله؛ ليصبح إسرائيلياً، والشعب الفلسطيني إحدى ضحايا هذا المخطط الخبيث مع الأسف الشديد.

من المهم في قضية التطبيع أن يكون لنا نحن العرب فهم استراتيجي لها، بحيث لا يُحوِّل العرب والمسلمين إلى أمة انطوائية وجبانة تخشى مواجهة العدو في المحافل الدولية، إضافة إلى عدم الإضرار بمصالح شعبنا على الأرض في الداخل الفلسطيني المحتل، وأشد ما أخشاه أن يكون عزوف العرب عن محاربة إسرائيل ظناً منهم أنَّ مواجهة العدو تطبيع! فالمواطن العربي يعاني من الهزيمة النفسية منذ ولادته، ولا يحتاج إلى من يزيد عليه، فينبغي أن نُفرِّق بين ما نريد من العالم فعله تجاه إسرائيل كمقاطعتها والتضييق عليها وعدم التعاون معها، وبين ما يجب علينا نحن فِعله كأمة عربية مسؤولة عن فلسطين وشعبها ومقدساتها وتاريخها ضد مخاطر "الأسرلة".

على سبيل المثال، منذ أيام قامت لاعبة الجودو السعودية "جود فهمي"، في الألعاب الأولمبية التي تجري في البرازيل، بالاعتذار عن مواجهة اللاعبة الإسرائيلية "جيلي كوهين" حتى لا تُتهم بالتطبيع، وأنا في رأيي أنه كان من الأولى مواجهتها، خصوصاً أنها لعبة قتالية وفيها قوة وعزَّة، والانتصار فيها يعزز من قيمة العرب والمسلمين، ويقلل من قيمة العدو، الغريب في الأمر أنَّ العرب أخذوا ينشدون الأشعار والمديح في اللاعبة السعودية؛ لأنها رفضت التطبيع، مع العلم أنها هي واتحاد بلدها لم يذكروا ذلك على الإطلاق، فلم يُعلن الاتحاد السعودي أنَّ لاعبته انسحبت بسبب رفضها للتطبيع مساندة للقضية الفلسطينية، إنما قالوا إنها تعرضت لإصابة خلال التدريب منعتها من اللقاء، ولا أدري أين وسام الشرف والبطولة في العذر المذكور والانسحاب المقهور؟!

أما البطل المصري "إسلام الشهابي" في لقاء يوم الجمعة الماضي ١٢ أغسطس/آب أمام خصمه الإسرائيلي "أور ساساون" في نفس اللعبة، فقد واجهه، لكنه لم ينتصر عليه، ورفض مصافحة اللاعب الإسرائيلي.

من الجدير بالذكر أنَّ سياسة محاربة التطبيع المتَّبعة اليوم تصلح مع عدو يُقيم في بلده الأصلي بعيداً عن أراضينا، فكل أنواع المقاطعة وقتها لن تضرنا على الإطلاق، بينما عدونا الإسرائيلي موجود على أرضنا ويحتل شعبنا، ولا يمكن تطبيق محاربة التطبيع بمفهومه الحالي والمتداول؛ لأنه يُضرنا نحن أكثر من عدونا.

يوجد اليوم ما يُقارب مليوني فلسطيني يعيشون في دولة إسرائيل وتحت إدارتها، ويحملون جنسيتها، وسياسة الإنكار العربية المُتَّبعة تجاه إسرائيل من خلال رفض التطبيع أدت إلى التفريط بهم ودفعهم بعيداً عن النسيج الوطني الفلسطيني.

يذكر المدون الفلسطيني عمر العاصي، المقيم في ألمانيا وهو من عرب إسرائيل، ومُطلع على تفاصيل الأوضاع العربية فيها، في تدوينته (كيف ترسم علم فلسطين؟!) قصته يوم توجَّه إلى أحد مديري المدارس (العربية الإسرائيلية) في الداخل، وهو عربي فلسطيني، ليخبره أنه لا بُد من العمل أكثر على التوعية بالقضية الفلسطينية، وأنه لا يُعقل أن يخرج الطفل بعد سنوات من المدرسة وهو لا يعلم ما معنى النكبة، ومتى احتلَّت فلسطين وكيف يكون عَلَمها وحدودها ونشيدها، فكانت الصاعقة عندما أخبره: (لا مُشكلة عندي في أن تكون هناك مُحاضرات عن فلسطين، فهُم جيراننا ولهم علينا حق!).

هل فكَّر الوطنيون بهؤلاء أو جعلوهم ضمن خططهم وأولوياتهم؟ لا أعتقد! فعندما تُرتِّب الأمة أولوياتها، سيتحول نداء الجماهير تلقائياً من (لبيك يا أقصى) إلى (لبيك يا فلسطيني)، وليس ذلك استهانة بالمقدسات... ولكن ترتيب للأولويات، فلو كان هناك فهم عميق وتطبيق مُتَزن بين محاربة التطبيع من جهة ومقاومة الأسرَلَة من جهة أخرى، لما كنا خسرنا بعض أبناء شعبنا في الداخل الذين يتساقطون اليوم كأحجار الدومينو أمام النظام المُمنهج والذكي لأسرلتهم، ولكن غياب الفهم مع التطبيق الخاطئ أدى إلى كل تلك المصائب التي ما زلنا ننكر وجودها.

السؤال المهم اليوم: متى سيقرر العرب مواجهة إسرائيل؟ الجواب على ما يبدو لي أنَّ اللحظة الوحيدة التي سيُقرر فيها العرب مواجهة إسرائيل ستكون عندما يعتنق اليهود الإسلام!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.