المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

تل أبيب.. اليوم سأعتذر

تم النشر: تم التحديث:

2016-11-07-1478557170-5806718-TelAviv.jpg

خلال زيارتي الأخيرة لفلسطين، كانت لي عدة لقاءات مع شبابها في مناطق الضفة الغربية والـ48، ومن المدن التي قمت بإلقاء محاضرة فيها كانت مدينة "تل أبيب"، عاصمة إسرائيل في الأراضي المحتلة، وعندما أعلنت على السوشيال ميديا عن تلك الزيارة، جاءت ردود الفعل متباينة بين مَن بارك هذه الزيارة وشدَّ على يدي كي أعيدها، وبين مَن استنكرها رفضاً للتطبيع مع إسرائيل.. مُفترضاً أني كنت أُحاضر بصهاينة في الجامعات العبرية، وبين مَن أستفهم عن أهداف الزيارة وهوية الحضور، وكلها ردود فعل لها وجهة نظرها ويمكن تفهُّمها، لكن ما عجزت عن تفهُّمه.. ردود الفعل التي جاءت على هيئة "لماذا قلت تل أبيب؟".. "هذا ليس باسمها.. من أين أتيت به؟!".. "أطلق عليها اسمها الأصلي.. تل الربيع".

من الجدير بالذكر أنه خلال زيارتي لتل أبيب، قمت ببث مرئي مباشر عبر الفيسبوك وذكرت فيه اسم تل أبيب حرفياً، وأنَّ اسمها العربي الصحيح هو تل الربيع، واليوم.. قررت أن أعلن توبتي إلى الله أمامكم لذلك الخطأ الذي ارتكبته، فأرجو أن تقبلوا اعتذاري.

في كتاب "رحلة قلم" يذكر إمام البيان عباس محمود العقَّاد في رحلته الوحيدة التي قام بها إلى فلسطين في صيف عام 1945م، والتي كانت قبل حرب فلسطين بثلاث سنوات، أنه لم يشهد صراعاً حضارياً بين مدينتين كذلك الذي كان دائراً بين مدينتي يافا وتل أبيب، وكان قد شبَّه يافا بالشيخة الصبورة أمام تل أبيب الفتاة الماكرة اللعوب التي تحاول سرقة الأضواء منها، ومن أهم ما ذكره أنَّ مدينة تل أبيب قد ولدت في عهد الدولة العثمانية التي كانت وقتها تحب أن تستعين بالدعاية الإسرائيلية في مقاومة روسيا ودويلات البلقان، ويذكر أنها أُنشئت عام 1909م في ضواحي مدينة يافا ليسكنها اليهود، وذكر اسم "تل الربيع" كترجمة حرفيَّة لكلمة "تل أبيب" التي تُكتَب بالعبرية "תל אביב" وتُلفَظ "تل أڤيڤ"، فكلمة الربيع بالعبرية "אביב" وتُلفَظ "أڤيڤ".

لقد تم اختيار الاسم بدهاء كبير وعناية شديدة ومعانٍ عميقة، فقد اختار الصهاينة اسم تل أبيب من سِفر حزقيال 3:15 في التوراة والمعروفة بالعهد القديم في إنجيل النصارى:

ثم أقبلت على المسبيين القاطنين إلى جوار نهر خابور عند تل أبيب، فأقمت هناك حيث يسكنون متحيراً سبعة أيام.


وأعتبر هذا الاسم جيداً لتَبنِّيه فكرة نهضة الوطن اليهودي القديم، وكما ذكرت آنفاً أنَّ كلمة "أبيب" هي الكلمة العبرية للربيع، ذلك الفصل من السنة الذي يرمز للتجديد والنمو من جديد، وكلمة "تل" بالعبرية تعني التلَّة الأثرية التي تم إنشاؤها مِن قِبَل الاحتلال البشري فوق حضارات قديمة منذ قرون كثيرة، وهذا يُفسِّر إطلاق "ثيودور هرتزل" جملة "الأرض القديمة الجديدة - Old New Land" على تل أبيب، فيصبح المعنى الاصطلاحي لكلمة "تل أبيب" من وجهة نظري وحسب فهمي:

الربيع الذي سيكشف عن الحضارة الأصلية القديمة التي اختارها الله لبني إسرائيل، ودفنها الإنسان المحتَل تحت كومة مُصطنعة!


أهم نقطة في هذا البحث هو التأكيد على عدم وجود أي مدينة عربية قبل سقوط الدولة العثمانية باسم "تل الربيع"، بينما كان هناك مدينة يهودية باسم "تل أبيب" تم إنشاؤها بموافقة الدولة العثمانية العُليا، وهذا خلاف القصة المشهورة والمتداولة بين الناس من أنه كانت توجد مدينة عربية تُسمَّى "تل الربيع" تم احتلالها وتحويلها إلى "تل أبيب"، ولو كان هناك مدينة أصلية للأراضي التي تم إنشاء تل أبيب عليها.. فهي مدينة يافا وليس أي مدينة أخرى، وقد تفاجأت عندما علمت أنَّ الكثير من أهل فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يعلمون حقيقة نشأة تل أبيب.

ونصيحتي ألا تغضب عندما تسمع عربياً يذكر اسم تل أبيب.. فهي حقيقة لا يمكن إنكارها أو الغضب من ذكرها، من ناحية أخرى يتفق المؤرخون على أنَّ تل أبيب استخدمت فيما بعد لإضعاف مدينة يافا وابتلاعها وتهجير العرب منها، ولكن هذا مَبحث مُنفصل وبعيد عن موضوع التسمية.

أنا شخصياً سأبقي استخدام اسم "تل أبيب" كما استخدمته دائماً، ليس نكايةً بأحد.. ولكن لأنها مدينة حقيقية موجودة على أرض الواقع بمرسوم عثماني تجاوز المائة عام، والأهم.. أنه عندما أزورها في المرة القادمة -بإذن الله- لألقي فيها محاضرة أو دورة تدريبية، سيتم الإعلان عنها، وسيحتاج وقتها الحضور لإدخال كلمة "تل أبيب" في جاهز الملاحة "GPS" أو "خرائط جوجل" للوصول إلى مكان المحاضرة كما حدث في المرة السابقة، وإدخال أي اسم آخر لن يُساعد في الوصول إلى عنوان المحاضرة، والاستمرار في الإنكار والتشبث بمسمَّيات وقشور بدلاً من التشبث بما هو مهم وحقيقي.. سيزيد من ابتعادنا عن الحقيقة كما ابتعدنا عن فلسطين، لنبقى نتقلَّب من وَهْم إلى وَهْم حتى نجد أنفسنا نعاني من تيهٍ أسوأ وأمَرّ من تيه بني إسرائيل!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.