المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

ماذا لو تحررت فلسطين؟.. أسئلة مربكة لم يفكر فيها العرب

تم النشر: تم التحديث:

2016-11-02-1478085740-4202443-BNFreePal.png

هل فكرت يوماً عزيزي القارئ ما الذي سيحدث لو تحررت فلسطين؟ ماذا لو استيقظنا في الصباح لنجد دولة الاحتلال قد اختفت عن جميع التراب الفلسطيني مُخلِّفة وراءها كل شيء.. المجد الذي بنته، الشعب الذي زرعته، الأمة التي مزَّقتها، الأرض التي قسَّمتها.. ما الذي سنفعله في واقع مرير لم نشهد له مثيلاً في أرض عربية.. كيف سنتصرف؟ ما هي القضايا التي يجب أن نستعد لها في مثل هذا اليوم؟

هذا السؤال طرحته منذ أسابيع في بداية محاضرة عن التخطيط الناجح، كنت قد ألقيتها في مدينة الخليل خلال زيارتي الأخيرة لفلسطين، وكان الهدف من تلك الافتتاحية هو تسليط الضوء على أهمية التخطيط للأفراد والشركات والدول والحكومات، وأنه لا مناص منه مهما كان الأمر مؤلماً ومُرهقاً.

في الحقيقة غالبية الحضور لم يتوقعوا مثل هذا السؤال، وفي تقديري أنهم لم يتخيلوا طرحه بينهم وبين أنفسهم، فالهموم التي أغرقهم بها الاحتلال لم تسمح لهم بتخطي حاجز تحديات الحياة اليومية ومسؤولياتها، فغالباً ما يغيب عن مُخيلة الإنسان قضايا مصيرية مهمة بسبب صعوبة تحقيقها أو نيلها، فيميل العقل إلى تناسي تلك القضايا، مما يؤدي إلى تأخير تحقيقها إن لم يكن إضاعتها إلى الأبد، ناهيك من أنَّ إسرائيل يهمها ألا يكون للعربي الفلسطيني تفكير استراتيجي قد يهدد مستقبلها أو يؤذي وجودها.

بعض الأجوبة التي تلقيتها في المحاضرة كانت لا تتعدى الاحتفالات التي ستعم أرجاء فلسطين، والرصاص الذي سينطلق في الأجواء مُغرداً ببهجة الموقف، ولكن.. فكِّر معي عزيزي القارئ بواقعية مجرَّدة، الجميع يريد التحرير.. ولكن ماذا لو حدث ذلك فعلاً.. هل نحن مستعدون لاستيعاب ذلك الحدث العظيم؟

ماذا سنفعل بالشعب اليهودي الذي زُرِع في فلسطين منذ عقود طويلة وأصبح مُتجذراً فيها وليس لديه مأوى آخر غير المكان الذي ولد فيه؟ ماذا سنفعل بمَن جاء مهرولاً من الفلسطينيين ليسترد بيت أجداده المهدوم وأرضه المسلوبة.. كيف الخلاص؟ هل سنلقي في البحر باليهود الذين أصبحوا أمة يفوق تعدادها سبعة ملايين نسمة؟ هل سنسمح بنحرهم كالنعاج في أرض الميعاد؟

ماذا سنفعل بالعرب الذين بقوا في أرضهم ولم يُغادروها ونجح الاحتلال في أسرَلتهم حتى أصبحوا جزءاً من نسيج دولة إسرائيل؟ كيف سنتعامل معهم ونقنعهم بأنهم عرب وأنَّ أمرهم يهمنا؟ كيف سنقنع الفلسطينيين في الخارج الإسرائيلي بأنَّ هؤلاء الذين في الداخل هم إخوتهم وليسوا خونة؟ كيف سنعيد بناء الوطنية الفلسطينية والقومية العربية في نفوسهم وعقولهم المؤسرلة؟

كيف سنتعامل مع اللاجئين في الداخل والشتات؟ كيف سنعيدهم إلى فلسطين لنوطنهم فيها؟ كيف سنعيد لهم بيوتهم وأملاكهم المسلوبة والتي استولى عليها الاحتلال وأصبح ليس لها وجود؟

كيف سنواجه تصفية الحسابات بين أفراد العائلة الواحدة؟ كيف سنتعامل مع الفلسطيني الذي استولى على إرث عائلته من أراضٍ وممتلكات هاجر أغلب أفرادها إلى الخارج؟ ماذا سنقول لأحفاد الورثة الذين عادوا إلى فلسطين ليطالبوا بحقوقهم في إرث أجدادهم؟

ما هي الإجراءات الأمنية والبرامج الاجتماعية التي سنتخذها مع الأسرى المُحررين لإعادة تأهيلهم وإصلاح حالهم؟ كيف ستتم إعادة تأهيل الشعب الذي تعوَّد أطفاله على اللعب ببقايا أسلحة العدو وفشك بندقياته؟

كيف سنتعامل مع مفاعل ديمونة النووي الذي خلَّفته إسرائيل؟ كيف سندير الترسانة العسكرية التي بنتها منذ عقود؟ ماذا سنفعل بالألغام التي زرعتها لحماية نفسها؟ وكيف سنعلم عن أماكن وجودها؟ كيف سنتمكن من قراءة الإرشادات المكتوبة بالعبرية؟

ماذا سنفعل في البلبلة السياسية الفلسطينية وانقساماتها الدائرة أبد الدهر؟ كيف سنوجد عقلاً سياسياً يهتم لشأن الوطن أكثر من اهتمامه لشأنه الخاص؟ كيف الخلاص؟ كيف سنتعامل مع الفسدة الذين أهلكوا الحرث والنسل باسم الوطنية والقومية والدين.. ويريدون أن يركبوا الموجة من جديد لأنَّ تاريخهم (النضالي) يمنحهم الأولوية ويحرم غيرهم؟

ماذا سنفعل بالهيجان الشعبي والانفلات الأمني والاحتقان المجتمعي؟ كيف سنتعامل مع حمام الدم المُحتمَل والحرب الأهلية التي قد لا يشهد لها التاريخ مثيلاً؟ كيف سنوقف شرارتها الحارقة وسكاكينها الماضية؟ مَن سيُطفئ نيران الفتنة التي قد تفوق فتنة أفغانستان؟

كيف سنتعامل مع القوى الخارجية التي ستحاول فرض وصايتها على الشعب الفلسطيني؟ كيف سنواجه التدخلات الإقليمية والدولية كي لا ننتقل من احتلال إلى آخر؟ كيف سنكتشف العملاء والخونة الذين جنَّدتهم إسرائيل؟ كيف سنتصدى لمُسعِّري الفتن الذين لن يُضيعوا فرصة إشعالها فور وصولهم إلى فلسطين؟

كيف وكيف وكيف؟.. تساؤلات كثيرة لا تنتهي ومسؤوليات كبيرة لا أرى مَن يتحملها أو يكترث لها، وقد يكون الرد الوحيد الذي سنسمعه هو: (يا عمي خلي فلسطين تتحرر.. وبعدين بفرجها الله!)، وفرج الله لا يأتي من دون تدبير، وهذا الرد يؤكد أنه لن يكون هناك تتحرر بوجود هكذا تفكير، فهذه النمطية تعمل على تكريس الهزيمة النفسية لتوطيد دولة الاحتلال إلى الأبد!

لو وضعنا هذا التصور المستقبلي لحال فلسطين ما بعد التحرير، وخططنا له.. قد يُصبح أمر التحرير حقيقة يوماً ما؛ لأنه ببساطة سيتحول إلى رؤية وطنية يسعى الجميع إلى تحقيقها، فعندما يكون هناك تصور واضح لما ستؤول إليه الأمور بعد التحرير وكيف سيتم التعامل مع ما سيطرأ، سيستريح الشعب ويعمل جنباً إلى جنب لتحقيق تلك الرؤية بدلاً من تأجيل الخوض فيها خوفاً منها ومن تبعاتها.

أشد ما أخشاه.. أن تصبح أمنية المواطن الفلسطيني بعد التحرير.. عودة يوم من أيام الاحتلال!

يمكن مشاهدة اللقاء المرئي حول المقال أعلاه الذي بُثَّ يوم 27 أغسطس/آب 2016:

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.