المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

دماغ وديكتاتور وأمة

تم النشر: تم التحديث:

منذ أيام قمت بقراءة بعض المعلومات عن الدماغ وطريقة عمله في إدارة الجسم، وعلمت أنَّ الدماغ البشري هو العضو الوحيد في جسم الإنسان الذي يفتقر الأعصاب، على الرغم من أنه يُدير القيادة المركزية للجهاز العصبي المركزي، هذا ببساطة يعني أنَّ الدماغ لا يشعر بالألم، ولا أدري لماذا ذكرتني هذه الحقيقة العلمية بالقادة الديكتاتوريين، أولئك الذين يحكمون في حظائرهم بشراً رغم افتقارهم إلى الحس البشري.. تماماً كما يفتقر الدماغ للأعصاب، أضف إلى أنَّ الدماغ يستهلك الجزء الأكبر من الطاقة التي يتم إنشاؤها في جسم الإنسان.. تماماً كاستهلاك الديكتاتور لموارد شعبه وطاقاتهم.

كما يتمتع الدماغ بعدد مهول من الخلايا العصبية تصل إلى 100 مليار خلية، أي 15 ضعفَ مجموعِ سكان الأرض من البشر، هذا العدد الكبير من الخلايا العصبية يزيد من قدرة الدماغ القيادية للنهوض بعملية التفكير والتدبير والتطوير وإدارة الجسد، أيضاً ذكرتني هذه المعلومة بالمليارات التي يمتلكها الديكتاتوريون، والتي من المفترض أن تساعدهم على إدارة شعوبهم للنهوض بهم لا استعبادهم.

خذ هذه أيضاً، يعتبر الدماغ الأكثر بدانة في الجسم البشري، فالدهون تُشكِّل حوالي 60% منه وهي أعلى نسبة تركيز للدهون في عضو واحد من جسم الإنسان، وتلك الدهون تُسهِّل عمل الدماغ، تماماً كالبِطانة التي تحيط بالديكتاتور والتي تُسهِّل فساده وفتكه بشعبه!

تشابه كبير بين الدماغ والديكتاتور، ولكن هناك أمراً جوهريًّا يختلفون فيه، فالجسد يموت إذا استغنى عن الدماغ، بينما الشعوب تحيا إذا تخلَّصت من الديكتاتور.

خلال الأسبوع الماضي، سألت المتابعين على فيسبوك إن كانوا يعتقدون بأنَّ هذه الصورة -الخيالية- على غلاف هذا الجواز قد تصبح حقيقة يوماً ما..

2016-03-10-1457581284-2421595-USAPassport.jpg

الغالبية يؤمنون بأنَّ هذا أمر صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً، وهناك من كان متفائلاً بحدوث مثل هذه الوحدة قبل يوم القيامة بقليل، بالتحديد عند ظهور المهدي المنتظر الذي يؤمن به المسلمون وأنه سيخلصهم من الجور والظلم، وسيوحد صفهم ويجعلهم على قلب رجل واحد.

طبعاً لا أريد أن أخوض في المشكلات الشرعية التي تخص تلك النصوص الواردة في ظهور المهدي والتي لا تخلو جميعها من ضعف، ولكن فقط أريد أن ألفت انتباه القارئ العربي الذي ينتظر المُخلِّص بأنَّ هذا المخُلِّص لن يأتي، والانتظار قد يطول إلى الأبد، والسبب ببساطة أنَّ فكرة المُخلِّص الذي ينتظره الجميع تتعارض مع العلم جملة وتفصيلاً، إذ لم يأتِ نص واحد في القرآن يأمر الله فيه المسلمين إلى إرجاء العمل إلى أن يأتي من ينصرهم، فدائماً ما كان التحفيز على العمل هو الأصل لأنه الحل الوحيد للخروج من الأزمات، وفكرة المُخلِّص تدعو الشعوب بشكل غير مباشر إلى إرجاء العمل وانتظار المعجزات.

الحقيقة تقول إنَّ الإنسان كلما صعب عليه الواقع هرب إلى الخيال، والخيال ينافي الحقيقة، والحقيقة هي الطريق الوحيد إلى العلم، والعلم أصل النجاح للخلاص من صعوبة الواقع ومرارته. فالبقاء في دوامة الخيال لن يُفيد، والمنفعة التي يجنيها أعداؤنا كل يوم بتعلقنا بالخيال كبيرة جداً، ونحن الوحيدون المتضررون من هذا الخيال.

لا شك أنَّ العالم العربي يعاني من قيادات مستبدة تعمل ليلاً نهاراً على إبقائه مشغولاً بما هو فيه اليوم، فهناك من ألهى شعبه بالعنصرية، وهناك من ألهاهم بالرياضة، وهناك من ألهاهم بالفقر والجوع والبحث عن قوت يومهم، ولا شك أنَّ هذا الأمر يؤخر نهضة الشعوب وتقدمها.. بل يُجهز عليها.

ولكن الديكتاتور هو شق واحد من المشكلة، وماذا عن الشق الثاني؟ الشق الثاني هو أنا وأنت.. الشعب، ويمكنني القول بأننا لدينا من القدرة ما يكفي لإفشال ما يقوم به الشق الأول نوعاً ما، لدينا ذلك الدماغ العظيم في بنيته الفريد في قدرته، والذي لا يمكن لأي ديكتاتور الاستيلاء عليه إلاَّ إذا سمحنا له طوعاً بسلبه.

عندما وضعت الحدود بين الدول العربية، لم توضع لحمايتك كما أوهموك في دروس التربية الوطنية، إنما لإبقائك بعيداً عن الخير الكبير خارج تلك الحدود، وعندما تم إنشاء محطات الإذاعة والإعلام المحلية، لم تكن لتوعيتك والنهضة بالمجتمع، ولكن لسلب عقلك وإبقائك داخل تلك الحدود الوهمية.

عندما اتحدت أوروبا، لم يكن لديها "مهدي منتظر"، ولا لغة واحدة، ولا دين واحد، ولكن كان لديها عقل يُفكِّر ويُدبِّر، ويُفرِّق بين الخير والشر، عقل يفهم ماذا تعني المصلحة وأين يمكن إيجادها، بينما لم يُسعفنا نحن العرب لا وحدة الدين، ولا وحدة العِرق، ولا وحدة اللغة، ولا وحدة الجغرافيا واتصال الأراضي فيما بيننا.

منذ أسابيع كانت بريطانيا تهدد بخروجها من الاتحاد الأوروبي، فماذا فعل الدول الأعضاء إزاء ذلك التهديد؟ هل قالوا "تغور في داهية"؟! أبداً.. بل هرعوا يتفاوضون على بقائها مراعاة لمصلحة دولهم ومصلحة الأمة الأوروبية.

لو صدَّقنا بأنَّ المهدي سيظهر لينتشل من القاع أمة بأكملها قوامها فوق المليار نسمة، فلن يحدث ذلك إلاَّ إن وُجدت أمة تريد النهوض بالفعل، ولو كانت تلك الشعوب موجودة وتريد حقًّا النهوض، فلماذا لا تنهض اليوم بدلاً من انتظار المهدي كل هذه القرون الطويلة؟ ما فائدة هذه الوحدة التي ستأتي قبل يوم القيامة بقليل وسرعان ما تنتهي؟ ما أهميتها وما هي متعتها؟ وحدة فقط لبضع سنين؟ لا نريدها.. بل نريدها اليوم لنستمتع بها ولأطول مدة ممكنة.

لو كانت الشعوب تريد فعلاً اتباع أكابرها لفعلت ذلك اليوم ولما انتظرت رجلاً تضاربت حوله النصوص بين مُصحِّح ومُكذِّب، رجل قد يأتي وقد لا يأتي، لو كانت الشعوب فعلاً تريد الوحدة والنهضة لفعلت ذلك اليوم وليس غداً، يكفي أن نغلق التلفاز ونتوقف عن متابعة الإعلام المريض الذي فرَّق بيننا وبين عقولنا، وجعلنا أعداءً لأنفسنا وأمتنا، هذا وحده يكفي كي نُزيل حدود الاستعمار من بيننا، وحتى نحقق ذلك، لا نحتاج إلى المهدي ليُرشدنا.. فكتاب الله ينطق بيننا، وعلوم الأرض كلها مرصوصة بين أيدينا وعلى أرفف المكتبات، ولو عملنا على استرجاع عقولنا المسلوبة سنحيا أفضل حياة بكل تأكيد، وحضارات الأرض الأخرى تشهد على ذلك.

أستطيع أن أجزم أنه لن يُسعفنا لا المهدي المنتظر ولا «عمر بن الخطاب» ولا «خالد بن الوليد» ولا «صلاح الدين»، لأنهم ببساطة لو كانوا اليوم بيننا، لن يجدوا من ينصرهم ويتَّبعهم، ناهيك عن أنه سيتم القبض عليهم وزجَّهم في سجون المخابرات العسكرية إلى الأبد.

عصر المعجزات والتعلق بها قد انتهى، والدولة الأموية والعباسية والعثمانية لم ينتظورا المهدي لقيامهم، فكل أمة يمكنها أن تصنع مُخلصها اليوم إن أرادت ذلك، ففي كل أمة أكابرها ويمكنهم أن يهدوا قومهم إلى طريق النهضة بما يناسب عصرهم، واليوم أنا وأنت يمكننا أن نكون ذلك المهدي، فقط لو استرجعنا عقولنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.