المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

عصر ما بعد الذهب

تم النشر: تم التحديث:

2016-03-06-1457282103-5956879-Gold.jpg

كلما تتبعت أحداث عصرنا الحالي، تيقنت من أننا نعيش اليوم عصراً فريداً من نوعه بكل المقاييس، سواء على المستوى السياسي أو المالي أو الاجتماعي، تغيير كبير وسريع -لم نعهده من قبل- لكل جوانب حياتنا اليومية، فلم تعد الوظيفة آمنة، وهاجس خسارتها هو الأمر الطبيعي الذي يُقلق الموظف كل يوم، وتغيير العمل كل بضع سنين بات الأمر الطبيعي، إما بسبب استغناء الشركات عن موظفيها لتوفير المال، أو بسبب استقالة الموظف لإنشاء عمله الخاص.

كما لم يعد النفط ذا قيمة إذ -كما هو معلوم- أصبح أرخص من الماء، وباتت الدول التي تعتمد في اقتصادها على النفط مهددة بالعودة إلى العصر الحجري إذا لم تجد موارد أخرى يُعتمد عليها، ويبدو اليوم أنَّ أسطورة الذهب قد انتهت، ولم يعد له تلك القيمة الاستثمارية التي تستحق إنفاق الأموال الطائلة عليه كما كان الحال في العقود والقرون الماضية.

كما أصبح من الصعب التعويل عليه في استثمارات حقيقية يمكن لها أن تأتي بربح ملموس، وعوضاً عنه، الاستثمار في العقارات وأسهم الشركات والعملات الأجنبية مثل الدولار الأميركي والجنيه الإسترليني بات أفضل وأنجع. ففي عام 1971م قامت الولايات المتحدة الأميركية خلال حكم الرئيس نيكسون بفك ارتباط الدولار الأميركي بالذهب، وبقي الأمر كذلك حتى يومنا الحالي، لدرجة أنَّ الدولار الأميركي أصبح ينافس الذهب والنفط في الاستثمار، وتحويل الأموال إليه من العملات الأخرى بات أكثر أماناً من الذهب، وفي بعض الأحيان أسرع وأكثر ربحاً، خصوصاً إذا كانت عملة بلدك غير مرتبطة بالدولار الأميركي كما هو الحال في كندا، الأمر الذي يتيح المجال للأفراد بالمضاربة بتحويل المال من وإلى الدولار الأميركي.

هل تعلم أنَّ كندا اليوم هي الدولة الوحيدة التي تمتلك أقل مخزون من الذهب من بين مجموعة الدول الصناعية السبع (G7)؟ فقد أوردت صحيفة هافينغتون بوست بنسختها الكندية خبراً عن مخزون كندا من الذهب، فقد باعت الحكومة الكندية كميات كبيرة من الذهب وصلت إلى 22 ألف أونصة بقيمة 35 مليون دولار، وبقي لديها فقط 77 أونصة بقيمة ١٣٠ ألف دولار، فالحكومة الكندية باتت تعتقد بأنَّ الذهب لم يعد استثماراً ناجحاً بعد اليوم، وتجميده في خزينة الدولة يكلفها الكثير من الأموال مقابل عائد استثماري غير مجدٍ.

وقال المتحدث الرسمي بأنَّ الحكومة لديها سياسة طويلة الأمد لتنويع محفظتها الاستثمارية من خلال بيع السلع المادية -مثل الذهب- من أجل استثمار عائده في أصول يتم تداولها بشكل أكثر سهولة.

طبعاً هذه الحقيقة التي توصلت إليها الحكومة الكندية تخالف كل ما تربينا عليه منذ الصغر من أنَّ الذهب هو الاستثمار الآمن، وكلما حصَّلنا الكثير منه، كلما رافقنا نوع من الأمان المادي في مستقبلنا، وقد يكون هذا الأمر صحيحاً ما دام هناك طلب على الذهب، ولكنه لم يعد مصدر استثمار لتكاثر المال، إنما فقط مصدر لحفظ قيمة أصول مدخراتنا.

أذكر أني في عام 2011م ذهبت لشراء بعض الذهب في مدينة تورونتو لتخزينه من أجل مضاعفة المال بعد سنين، ولكن ما تفاجأت به هو نظرة المجتمع الكندي للذهب والتي هي مختلفة تماماً عن نظرتنا له في الشرق، فنحن العرب نرى أنه أصل المال، بحيث يتم استبدال الخام منه بالمال من دون أية ضرائب، خصوصاً إذا لم يكن ذهب للزينة، ولكن في كندا يتم التعامل مع الذهب على أنه منتج (Product) كأي منتج إستهلاكي يخضع للضرائب، وعملية شرائه تخضع لرسوم إدارية كأي منتج آخر في البلاد، الأمر الذي جعل الاستثمار فيه غير ناجع على الإطلاق، فعندما قمت بحساب الضريبة والرسوم الإدارية، وجدت أني سأخسر المال بدلاً من استثماره، ناهيك عن الضريبة التي يجب عليك دفعها لحظة بيع الذهب، فإذا قمت ببيع الذهب بربح أياً كان، يخضع ذلك الربح لضريبة الدخل، ويتم تحديد نسبة الضريبة بناءاً على الدخل السنوي للفرد بحيث قد تصل إلى 50%بالمائة.

وهذه الثقافة ليست حكراً على كندا، فقد علمت أنها أيضاً ثقافة الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الضريبية، والشعب الكندي وغيره من الشعوب الغربية ليسوا مهووسين بشراء الذهب وتخزينه كما هو الحال في الشرق، فنساؤهم نادراً ما يلبسن الذهب، وإذا لبسنه أو اقتنينه يكون ذلك الذهب الفاتح اللون الذي يميل إلى لون الفضة، فالأصفر منه لم يعد يواكب الموضة الحديثة، وهو أيضاً غالي الثمن، أضف إلى أنه لا توجد محال بيع ذهب كثيرة في البلاد، ولا يوجد شيء اسمه (سوق الذهب)، وإذا أردت شراء أونصات من الذهب بشكل آمن للاستثمار، فيجب عليك التوجه إلى البنوك والمصارف المالية حتى لا تقع في عملية نصب تُخسرك الكثير من المال.

أعتقد أننا اليوم كأفراد يجب علينا تطوير فكرة الاستثمار، بحيث تصبح حقيقية مواكبة للعصر الحديث الذي نعيش فيه، وهذه حقيقة من ضمن حقائق كثيرة تعلمتها من هجرتي إلى كندا، فمنجم فيسبوك أو غوغل بات أجدى نفعاً وأغلى ثمناً من منجم ذهب في شمال كندا أو جنوب إفريقيا!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.