المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

في كندا مساحة للجميع

تم النشر: تم التحديث:

تناولت منذ سنوات الغداء مع زَميلتَيّ عمل في مدينة تورونتو، وكان الوقت مثل اليوم تماماً، شهر ديسمبر حيث يتجهز نصارى كندا لاستقبال أعياد الميلاد (الكريسماس)، وكانت إحداهما نصرانية والثانية أغنوستية (لا أدَرِية) أي أنها تؤمن بوجود إله ولكنها لا تؤمن بدين معين، فهي حائرة لا تدري أي دين يمكن أن يكون هو الدين الحقيقي لتتبعه، والأغنوستية
(Agnosticism) هو مصطلح إغريقي يعني (لا دراية) أو (لا معرفة).

كنت وقتها جديد في عملي نوعاً ما، وخلال الغداء سألتني زميلتي الأغنوستية عن استعدادتي لاستقبال الكريسماس، فقلت لها إني مسلم ولا أحتفل بأعياد الميلاد، فلاحظتُ أنها قد تفاجأت قليلاً، ففي كندا يعتبر الكريسماس أهم أعياد البلاد، وكأن لسان حالها يقول (كيف يمكن أن تكون كنديًّا ولا تحتفل بالكريسماس؟!)، فقالت لي: (وماذا عن زوجتك وأطفالك.. أيضاً لا يحتفلون؟)، فتبسمت وقلت: (في عائلتي جميعنا مسلمون)، ثم سألتها: (رغم أنك نصرانية المولد، إلاَّ أنك أغنوستية، فهل ستحتفلين بالكريسماس؟)، قالت: (نعم)، قلت لها: (كيف .. إذاً أنت لست أغنوستية؟) قالت: (بلى .. أنا أغنوستية، ولكن تعودت منذ الصغر أن أضع شجرة ميلاد في بيتي لأحتفل مع ابني الوحيد، علماً أنه ملحد، فالكريسماس هو عادة توارثناها منذ الصغر نتواصل فيه مع الأصدقاء لتحصيل المتعة والفرح)، قلت لها: (الأمر مختلف بالنسبة لنا، فنحن المسلمون يهمنا أن نقوم بما نقوم به وفقاً لمعتقداتنا)، فقالت: (لكني أعرف بعض المسلمين في كندا يحتفلون بالكريسماس ويشربون الكحول ويأكلون لحم الخنزير)، قلت لها: (هم أحرار وهذا شأنهم، لكن فعلهم هذا لن يغير أصل الإسلام الذي يتعارض مع فعلهم، فسيبقى عيسى عليه السلام في معتقد المسلمين نبي وليس إله، وسيبقى الخمر ولحم الخنزير من المحرمات)، وأضفت: (المسلمون عموماً
لا يحتفلون بأعياد ميلاد الرسل والأنبياء، ولو كنا سنفعل ذلك من باب المحبة لهم ونيل مرضاة الله، فلا بد من التيقن من أنَّ اليوم الذي سنحتفل فيه هو فعلاً اليوم الذي ولد فيه ذلك النبي، فنحن المسلمين لا نتقرب إلى الله من دون دليل، وكل عبادة نقوم بها تحتاج إلى يقين مُحقق، وعيسى وفقاً للرواية الإنجيلية لم يُولد في فصل الشتاء، بل في فصل الصيف).

كانت زميلتنا النصرانية تستمع بحرص للحوار الدائر، وبعدما انتهينا قالت: (حسين معه حق، فقد لاحظت خلال مرافقتي لزوجي أثناء عمله في الخليج العربي، أنَّ المسلمين بالمجمل يحترمون مبادئ دينهم ويلتزمون بها، وهذه من الأمور التي أحترمها جدًّا)، ثم سألتها: (بينما كنتِ تقيمين في بلاد المسلمين، هل كان يتوقع أي مسلم منك أو من زوجك أن تصومي رمضان أو تضحي بشاة احتفاءً بعيد الأضحى؟)، فقالت: (بالطبع لا، وإن طلبوا.. فلن أفعل.. فأنا لست بمسلمة)، فضحكت وقلت لها: (إذاً نحن متفقون على أن نختلف، ونحترم اختياراتنا التي جعلتنا مختلفين) وختمت الحديث فقلت: (على الرغم من عدم إيماني بعقيدتكم، إلاّّ أني أتمنى لكم الخير والسعادة في أعيادكم)، وأكملنا غداءنا بكل مودة ولم تتوقف علاقتنا عند تلك اللحظة، وما زالت تجمعني بهاتين السيدتين زمالة طيبة، نهتم لأمر بعضنا من دون ضغينة، وهذا أجمل ما في العالم الأول.

من جمال الحرية الغربية أنها خالية من شوائب الديكتاتورية الاجتماعية التي يعانيها العالم الثالث، فنادراً ما تجد كنديًّا يعتبر إصرارك على رأيك تعصباً، بل على العكس، قد يحترم ذلك لأنه يعلم أنَّ هذا الإصرار خلفه مبادئ وقناعات، فعندما يبدأ النقاش لا يتوقع منك في نهايته أن تغير رأيك من أجله، خلاف العالم الثالث والذي يشعر بإهانة إن لم تغير رأيك وتقتنع برأيه في نهاية النقاش!

أذكر بعض نماذج ذلك العالم التي عاشرتها في الشرق، كيف كانوا يتوقعون مني بعد كل نقاش أن أقتنع برأيهم، وإن لم أفعل ينعتونني بالمتعصب!! سبحان الله... متعصب لأني لست إمعة وأحترم عقلي وقناعاتي؟ متعصب لأنه قد فشل في إقناعي بفكرته؟ فمن كان يلمزني بتلك التهمة، كنت أرد عليه بابتسامة: من حقي أن أتعصب لرأيي.. فقد تعبت في تحصيله :وأذكِّره بالمثل الياباني الرائع: "لا تكن كمقبض الباب، يستطيع أن يُديره كل من يشاء".

أجواء الكريسماس في كندا جميلة بكل ما تعني كلمة الجمال من معنى، ففيها تنتشر الزينة وأشجار عيد الميلاد لتنير المولات التجارية والشوارع خلال المساء، كما تظهر في تلك الفترة العلاقات الاجتماعية الدافئة والتي تجعلك تحب الأسرة وتحن إليها. أذكر أني خلال فترة الدراسة الجامعية في أوربا الشرقية في جمهورية أوكرانيا، كنت أجلس وحيداً أشاهد مسلسلات وأفلام أعياد الميلاد الأجنبية على التلفاز خلال عطلة الكريسماس، وكنت أحن معها كثيراً للأجواء الأسرية، وكنت لا أتمالك دموعي التي كانت تسيل دون أن أشعر، فلا يوجد أجمل من لم شمل الأسرة في أجواء المحبة والسلام والطمأنينة، وأعتقد أنَّ تجارب الغربة التي مررت بها جعلتني أقدِّس الأسرة وأبذل كل ما في وسعي لحمايتها وتطويرها، فقد تركت بيت العائلة في الثامنة عشرة من عمري، وبقيت وحيداً بسبب الدراسة والعمل إلى أن تزوجت وأسست عائلتي الصغيرة بعد مضي 11 عاماً من الوحدة، وبعدما منَّ الله عليّ بزوجة وذرية، وأصبح من الصعب عليَّ تخيل نفسي وحيداً من جديد.

أجمل ما في كندا أنه يوجد فيها مساحة للجميع، وهذا من الأوجه الإيجابية للعَلمَانية الغربية والتي تختلف اختلافاً جذرياً عن العَلمَانية الشرقية المنبثقة من رحم الديكتاتورية، كما أنها تختلف أيضاً عن العَلمَانية في فرنسا والتي تنحى منحنىً ديكتاتوريًّا تجاه ديانات ومعتقدات مواطنيها، فمع الأسف الشديد، قد أدَّت إساءة استخدام العَلمَانية إلى إساءة استخدام الإسلام، فتطرُف بعض العَلمَانيين هناك قاد إلى تطرف بعض المسلمين كما نرى اليوم، فالاعتدال جميل في كل شيء، والعمل بمقتضى قوله تعالى في الآية 6 من سورة الكافرون { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } هو أساس أمان واستقرار البشرية جمعاء، فإذا أردنا أن ننعم بالخير، ليحترم كل فرد منا اختيارات الآخر حتى وإن لم يقتنع بها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.