المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

بالقانون، والحجة، والمنطق

تم النشر: تم التحديث:

عندما انتهيت من استئجار منزلي في أبراج مدينة ميسيساجا في محافظة أونتاريو، ذهبت مباشرة أنا وزوجتي لتسجيل أطفالنا في المدرسة الابتدائية الحكومية التابعة لمنطقتنا والتي تبعد مسافة ١,٦٠٠ كم عن المنزل، أي ٣,٢٠٠ كم في الاتجاهين ذهاباً وإياباً، وعندما انتهينا من التسجيل تفاجأنا بأنَّ أطفالنا ليس لهم مكان في الحافلة المدرسية، وأنهم يجب أن يمشوا كل يوم هذه المسافة الطويلة على أقدامهم حتى في الشتاء القارص، ناهيك عن انزلاقات الطريق الخطرة جداً من صقيع الماء المتجمد على الأرض، والمشكلة أنه لا توجد حلول أخرى، فزوجتي آنذاك لم تكن تملك رخصة قيادة، وحتى لو لديها رخصة فنحن لا نملك سوى مركبة واحدة أستخدمها للذهاب إلى عملي الذي يبعد عن المنزل ما يقارب الـ ٥٠ كم، إذاً نحن لا نملك حلاً إلاَّ أن تقوم زوجتي بإيصال طفلتينا على قدميها إضافة لأخذ طفلتنا الثالثة الرضيعة معها لأننا لا نستطيع تركها في المنزل وحدها.

القانون الكندي يوفر للمواطن حافلات مدرسية مجانية ابتداء من الروضة وحتى الصف الرابع الابتدائي، وابنتاي في الصف الأول والثاني، فلماذا ليس لديهن حافلة؟ توجهت إلى المدرسة واجتمعت مع المديرة التي أخبرتني أنَّ قرار توفير الحافلات المدرسية ليس قرارها، إنما هو قرار أعضاء مجلس أمناء بلدية إقليم (بيل - Peel) المسؤول عن مدينة ميسيساجا، وهم الذين خفضوا عدد الحافلات المدرسية من دون أي سبب وجيه، ولو أردت أن تبحث هذا الموضوع فما عليك إلاَّ التوجه إليهم مباشرة.

طبعاً نسيت أن أذكر نقطة أنَّ البرج الذي أقطن فيه هو أحد خمسة أبراج واقعة في مجمع سكني واحد، والطريف هنا أنَّ المجلس البلدي وافق على توفير حافلات مدرسية لطلبة برجين فقط من الأبراج الخمسة، لأنه -حسب فهمهم- يوافق قانون المسافة المسموحة لتوفير الحافلات، وهذان البرجان يبعدان عن باقي الأبراج الثلاثة مسافة ١٠٠ متر فقط !! أي مجموع مسافة بعدهما عن المدرسة ١,٧٠٠ كم، وما جعلني لا أتمالك نفسي أنَّ أطفال هذين البرجين يمشون الـ ١٠٠ متر على أقدامهم في اتجاه برجي الذي أقطن فيه لأنَّ مكان انتظار الحافلة المرخص به والوحيد هو أمام برجي، يعني أصبحنا كلنا متساوين في مسافة الـ ١,٦٠٠ كم، إذاً المسألة أصبحت مسألة مساواة وعدالة وقانون، ولكن التحدي يكمن في طريقة طرحي وتعاملي مع هذا الموقف، فإما ألجأ لطريقة العالم الثالث كالعصبية والصوت العالي للتعبير عن حقي، أو الطريقة الكندية والتي تعتمد على القانون والحجة والمنطق... بهدوء.

أنا شخصياً اخترت الطريقة الكندية، لأنَّ الطرق الأخرى غير مُجدية في كندا مهما كان الحق معك، وقبل الشروع في أي اتصال مع المجلس البلدي، تشاورت مع السكان الذين يشاركوننا نفس المعاناة، وسألتهم إن حاولوا التواصل مع المسؤولين وتصعيد الموقف، فكان جوابهم أنهم قد قاموا بكل ما يجب القيام به ولم يحصلوا على أية نتيجة، حتى قال لي أحدهم: (لا تتعب نفسك، وأسهل لك أن تشتري مركبة ثانية لزوجتك على أن تتابع هذه المشكلة مع المسؤولين في كندا!)، طبعاً أنا لا أدري ما هي الطريقة التي استخدمها السكان في السابق للتحدث إلى المجلس البلدي، فقررت أن أقوم بالمحاولة بنفسي وبطريقتي الخاصة علَّها تأتي بالخير، فقد تعلمت من المناظرات السياسية الغربية والأفلام التي تدور داخل أروقة المحاكم أنه لا يهم إن كنت تملك الحق، لكن المهم الكيفية التي ستقنع بها الآخرين بذلك الحق، فقد تكون صاحب حق وقضيتك مهمة، ومع ذلك قد تخسر القضية لأنك فشلت في إقناع هيئة المُحَلفين، تماماً كالمُنتج الرائع مع البائع الفاشل، ينهار معه المُنتج!

قرأت القوانين التي تدعم قضيتي وبدأت بجمع المعطيات ودراسة الأحداث وكأني ذاهب إلى مرافعة في محكمة، وأجريت مكالمة هاتفية مع المجلس البلدي وأبلغوني أني لا أملك الحق في المطالبة بمواصلات لأطفالي لأني لست ضمن الحدود المسموح بها في القانون، ونصحوني بالتواصل مع وزارة التربية والتعليم في مدينة تورونتو، والذين بدورهم أعادوني إلى المجلس البلدي مجدداً لأنه المسؤول عن منطقتي وهم لا يعلمون عن حيثيات وتفاصيل المناطق.

قمت بجمع إيميلات أعضاء أمناء المجلس البلدي، وتبادلت معهم الرسائل لمدة ثلاثة أسابيع متتالية، ومختصر ما كتبت لهم ...

إلى السادة أعضاء المجلس البلدي، أرسل لكم هذا الخطاب لإعادة النظر في قضية الحافلات المدرسية الخاصة بمنطقتنا، ولكم أن تعلموا أنَّ القضية اليوم لم تعد قضية حافلة مدرسية فقط، بل قضية أمن وعدالة ومساواة بين أطفال كندا:

  • الأمن: لو تركتم أطفالنا يمشون كل هذه المسافة على أقدامهم كل يوم، تأكدوا تماماً من أنهم سيتعرضون لاحتمال دهس المركبات والحافلات، وربما لخطفهم أيضاً من قِبَل معتوه أو مريض نفسي، ووقتها من سيتحمل المسؤولية؟ لابد من الانتباه إلى أننا نقطن في وسط المدينة والتي هي بطبيعتها مكتظة جداً بالمركبات والحافلات، أطفالي وحدهم في غضون الأسبوع الماضي تعرضوا لأكثر من احتمال حادث مروري كان من الممكن أن يودي بحياتهم لا سمح الله، ولكم أن تضعوا نفسكم في مكاني، ما هو الأهم لأطفالي؟ الحصول على التعليم أو المحافظة على حياتهم؟ لو استمر الوضع على ما هو عليه، سأضطر إلى نقلهم إلى التعليم المنزلي والذي سيكون سبباً رئيسياً في انهيار جودة تعليمهم، ومرة أخرى، من سيتحمل المسؤولية؟
  • العدالة: ليس من العدل أن أدفع الضرائب لحكومة لا توفر مواصلات وأمن لأطفالي، لماذا تقنِّنون علينا الخدمات المدرسية في الوقت الذي لم نقنِّن عليكم أي شيء من ضرائبنا؟ لابد من الاستفادة من أموالنا التي دفعناها ضرائب لحكومتكم، لأنكم قريباً ستجمعون غيرها في نهاية العام.
  • المساواة: يسألني أطفالي كل يوم (لماذا لا يُسمح لنا بركوب الحافلة المدرسية مع أقرانهم من الجيران؟) هل هذا ما تريدونه؟ أطفال كندا يكبرون مع شعور بالظلم؟ هل تعلمون ماذا يعني شعور بالظلم؟ عندما تتربى الأجيال وهي ترى أنه ليس بمقدورها أن تأخذ حقها في المساواة بين أطياف الشعب الواحد، يتولد لديها شعور عميق بالحقد على الدولة وكل مؤسساتها، هل هذا ما تريدونه؟ إذا كان هذا هو هدفكم، اسمحوا لي أن أبلغكم أنَّ حكومتكم قد كذبت عليَّ قبل مجيئي إلى كندا مهاجراً، لأني وبكل بساطة تركت العالم الثالث الظالم مهاجراً إليكم باحثاً عن العدالة، ويبدو أني كنت مخطئاً في هذا التصور الزائف، فأرجو أن تعودوا إلى رشدكم وأن تنصفوا أطفال كندا، وأعيدوا التصويت في مواصلات أطفالنا، ولا تكونوا سبباً في انحدار مستوى الجودة المعيشية في بلدنا الطيب.
  • كلمة أخيرة: كنت أرى بعض أطفال جيراني القاطنين في نفس برجي يرتادون الحافلة المدرسية، وكنت أستغرب كيف لهم ذلك، فنحن نسكن في نفس البرج، وبعد التحري وجدت أنهم قد كذبوا عليكم بعناوين بيوتهم، وأبلغوكم بعناوين الأبراج الأبعد ١٠٠ متر ليحظوا بالمواصلات، لا أريد ذكر أسمائهم وأرقام شققهم، ولكن يبدو أنَّ كندا فعلاً قد انهارت جودتها وجودة مواطنيها، فأنتم في المجلس البلدي بتلك القرارات قمتم برسم خارطة الطريق لجيل كاذب من العيار الثقيل، وستصبح منطقتكم أسوأ وأنكى من منطقة العالم الثالث إذا استمر الحال على ما هو عليه.

طبعاً من اليوم الأول الذي أرسلت فيه الرسالة، وصلني اتصال مباشر وفي غضون ساعة واحدة من مجلس الأمناء ليؤكدوا لي على نزاهتهم وعدالة قراراتهم التي صدرت من المجلس البلدي والتي كانت وفقاً لدراسات المسافة التي أجروها بدقة، ومع ذلك، قرر المجلس فتح تحقيق في قضية المسافة الخاصة بمنطقتنا على إثر ما ذكرته في رسالتي، وأكدوا لي أنهم سيبلغوني بنتائج التحقيق في أقرب وقت.

وبينما كان التحقيق مستمراً، كنت بين الفينة والأخرى أرسل لهم بإيميل أنقل لهم فيه آخر المستجدات على أرض الواقع، مثل عدد الحوادث التي حدثت في المنطقة، ومحاولات الخطف التي رُصدت في الجرائد المحلية من الشرطة، والإنفلونزا التي رافقت الطلبة بسبب السير في أجواء متجمدة، كما أرسلت لهم خارطة تفصيلية لمسافات الأبراج الخمسة والمكان الحقيقي الذي تتوقف عنده الحافلة وهكذا.

سأصدقك القول عزيزي القارئ، بما أني مهاجر من العالم الثالث، كان ينتابني شعور عميق بأني أضيع وقتي وجهدي في قضية خاسرة، وبينما كنت أتابع القضية بقوة مع المجلس البلدي، كنت أنا وزوجتي نفكر في حل بديل لمشكلة المواصلات في حال لم نخرج بنتيجة مُرضية، لكن حدث ما لم أكن أتخيله، ففي نهاية الأسبوع الثالث من التحقيق تلقيت إيميلاً من المجلس البلدي يُبلغونني فيه بما يلي:

سيد حسين يونس، نود إبلاغكم بأن المجلس البلدي قام بالتصويت لصالح توفير الحافلة المدرسية لأبناء منطقتكم من صف الروضة وحتى الصف الرابع الابتدائي، تقبل تهانينا والشكر الخاص لك ولجهودك المتواصلة للدفاع عن حقوق أبناء منطقتك نيابة عنهم.

طبعاً لك أن تتخيل مدى سعادتي ونشوتي في تلك الليلة، لم أستطع وقتها أن أغمض جفناً من قمة السعادة، فهذه المواقف العادلة تمنحك شعوراً غريباً في نفسك، شعورا يخلق منك مواطناً سويَّاً وصالحاً، والأهم... ينتابك شعور أنك تحب كل من حولك وتريد خدمتهم.

تعلمت من تلك التجربة عدم التسليم أبداً لتجارب الآخرين الفاشلة، وأن أحاول بنفسي مهما سمعت من تجاربهم، وتعلمت أيضاً ألاَّ أخشى على نفسي في ظل دولة العدل والقانون، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد قضى ببركتها حتى وإن كانت مُلحدة أو كافرة، فللعدل في السماء مكانة يجهلها عبدة الجيوش والمهانة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.