المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

كندا ... رحلة البحث عن عمل

تم النشر: تم التحديث:

عندما حصلت على تأشيرة الهجرة، لم تكن نيتي أن أهاجر فوراً، فقد فضَّلت التروي قليلاً إلى أن أستكشف البلاد وفرص العمل فيها، فقررت أنا وزوجتي أن نذهب في رحلة أوَّلية للقيام بما يُسمَّى الـ (Landing) وإنهاء إجراءات الهجرة والحصول على بطاقات الإقامة الدائمة، وبعدها نقرر إن كان الوضع مناسباً لنا أم لا، فمن فضل الله عليَّ أني لم أكن مُضطراً إلى الهجرة، فقد كان عملي في الخليج مُستقراً، إضافة إلى تمتعي بمواطنة أردنية كاملة، فلم يكن لدي ظروف قاهرة تدفعني لترك الشرق سوى خلق فرص جديدة تجعلني قادراً على الإرتقاء بنفسي وأسرتي، فأنا شخصياً لدي إعتقاد بأن الإنسان أهم من الأماكن والأوطان، وكل شيء فيه قد خُلِق لخدمته ... وليس العكس، فالوطن الذي لا يحتوي أبناءه و يُسخَّر موارده ليضمن لهم عيشاً كريماً ... هذا ليس بوطن، إنما سيف مسلول على رقاب الشعوب ليقصل آمالهم ويمنعهم حتى من الحلم بغدٍ أفضل، خصوصاً في هذه الظروف المريرة التي يمر بها الشرق، وطن يتحول إلى وثن ... وآخر تأكله نار الفتن، وبين هذا وذاك ... بات من الصعب الإقامة في مكان واحد دون مفاجآت قد تُدمِّر مستقبل أمَم بأكملها، حتى لو كان هذا المكان موطن الآباء والأجداد.

الرحلة الأولى كانت موفقة من جميع النواحي، فقد راقت لنا كندا، وأعجبنا التنوع العِرقي فيها، خصوصاً في مقاطعة أونتاريو كما ذكرت آنفاً في مقالاتي السابقة، والذي شجعني أكثر على حسم أمر الهجرة، أنَّ مجال عملي في "تكنولوجيا المعلومات" لا يحتاج إلى معادلة الشهادة الجامعية، ويمكنني الدخول في سوق العمل مباشرة، وخلال تلك الرحلة تواصلت مع شركات توظيف مختلفة (Recruiters) والذين بدورهم أكَّدوا لي أنه بمقدوري الحصول على عمل مباشرةً إن رغبت، فمجالي مطلوب ولا داعي للقلق، فاستخرت الله وحسمت أمري وقررت الإنتقال إلى كندا في العام الذي يليه، وبدأت بتخطيط الرحلة الثانية ... والأخيرة.

نسيت أن أذكر أنه قبل تواصلي مع شركات التوظيف، قمت بزيارة ما يُعرف بـ (Community Centre) وهو عبارة عن مركز يُقدم خدمات إجتماعية لأبناء الحي بما فيهم المهاجرين الجدد، ومن ضمن تلك الخدمات تسهيل البحث عن عمل، وكنت واهماً وقتها أنهم سيجدون لي عملاً، ولكن الحقيقة كانت غير ذلك، فعندما قابلتهم أخبروني بأنهم لن يبحثوا لي عن عمل، لكن يمكنهم مساعدتي في بناء سيرتي الذاتية وإرشادي إلى طريق البحث عن عمل من خلال شبكات التوظيف على الإنترنت وهكذا، وكلها طبعاً خدمات كنت في غنى عنها، فلست حديث عهد بما يُقدِّمون، فشكرتهم ونسيت أمرهم.

عندما اقترب موعد الرحلة الثانية، بدأت قبلها بثلاث أشهر في التواصل مع شركات التوظيف، وأخبرتهم بموعد وصولي لإجراء مقابلات العمل، وأرسلت لهم سيرتي الذاتية (Resume/CV) والتي أعدت تصميمها وفقاً للمعايير الكندية والتي تختلف بعض الشيء عن المعايير الشرقية في عدد الصفحات وطريقة سرد الخبرات، وبالفعل ... بدأت أتلقى إتصالات لإجراء مقابلات عمل على الهاتف قبل وصولي إلى كندا.

على الرغم من أنَّ كندا لم تكن البلد الأول الذي أنتقل إليه خلال مسيرتي الحياتية، فقد سبقتها ثلاث دول في آسيا الغربية (الكويت، الأردن، والسعودية)، ودولة في أوروبا الشرقية (أوكرانيا)، إلاَّ أني كنت خائفاً من ذلك الإنتقال كأي بشر يخشى المجهول، فقد تبدو لك قصة هجرتي سهلة عندما تقرأ ما أكتبه اليوم، ولكن هذا لا يعني أني لم أعاني الإرهاق والتوتر من القلق والتفكير المستمر، فقد كنت على قناعة من أنَّ الإستقرار يبدأ من تأمين العمل وتحصيل المال، خصوصاً في بلد فاحش الغلاء مثل كندا، لذلك كنت أسعى بكل ما أوتيت من علم وخبرة إلى أن أبدو في أعلى درجات الإحتراف لأنافس في سوق العمل الكندي، فعلى الرغم من إمتلاكي - في ذلك الوقت - خبرة تفوق العشر سنوات، إلاَّ أني لم أكن واثقاً من أنَّ تلك الخبرة الآتية من العالم الثالث سيكون بمقدورها منافسة خبرات العالم الأول.

في العالم الثالث، تعتمد ثقافة العمل على إستهلاك الموظف تماماً وامتصاص دمه من خلال إقحامه في أعمال تعنيه ولا تعنيه، وأول عائق واجهني كان التخصص، الشيء الذي يتمتع به الموظف الكندي مقارنة مع المهاجر العربي، فسياسة إستهلاك الموظف في العالم الأول موجودة ولكن ضمن حدود تخصصه، فلا يُطلب منه مهام خارج إطاره الوظيفي خلافاً لما يحدث في الوطن العربي، فعلى سبيل المثال، عملت خلال مسيرتي المهنية في الشرق في أكثر من مهنة ضمن سوق تكنولوجيا المعلومات، فتنقلت بين "برمجة النُظُم" و "إدارتها" و "هندستها" و "تحليلها" و "إدارة المشاريع" و "التسويق والمبيعات" وكلٌ مما ذكرت مهنة بحد ذاتها، وفي بعض المراحل كنت أعمل تلك المهن مجتمعة حسب حاجة الشركة، وهذا شيء مُرهق بكل تأكيد، ولا أنسى ردة فعل الذين كنت أقابلهم عندما كانوا يقرؤون سيرتي الذاتية، كانوا يتساءلون إن كنت فعلاً قد عملت في كل تلك المهن، وكانوا في نهاية اللقاء يسألونني:

حسين ... الأمر اختلط علينا، ما هي المهنة التي تنوي العمل بها حتى نستطيع مساعدتك؟ لأنك بهذه الطريقة لن تحصل على عمل في كندا !!

ونصحوني بأن أختار مهنة أو إثنتين على الأكثر، وأجعلهم محور بحثي، وهذا ما كان، والنتيجة كانت إيجابية بكل المقاييس.

العقبة الثانية التي واجهتني كانت الخبرة الكندية والتي تُعتبر عقبة كل مهاجر، وتختفي إلى الأبد بمجرد الحصول على العمل الأول، لكن تعبت حتى أفهم ما هو المقصود بالخبرة الكندية؟ وبعد بحث حثيث ظهر لي أنها ثقافية أكثر من كونها مهنية، كأناقة المظهر، ونظافة اللسان، وطرق التفكير في العمل، والتعامل مع الجنس الآخر، وكيفية حضور الإجتماعات وطريقة التفاعل فيها، وأسلوب التعامل مع الضغوطات وفض النزاعات والمواقف الصعبة، والتعامل مع الأقليات والأعراق المختلفة، وإلى آخر ذلك من المهارات الإنسانية والتي يجب أن توافق الثقافة الكندية. فعلى سبيل المثال، لا يمكنك التلميح بأي إشارات أو كلمات عنصرية ضد أي عِرق أو جنس مهما كانت وظيفته، كإهانة موظف هندي كما هو الحال في الشرق ... لأنك ستُطرد فوراً، وستحمل نقطة سوداء في ملفك المهني تمنعك من العمل في أي شركة داخل كندا، لأنك إذا أردت العمل في شركة جديدة، لابد من أن تأتي بتزكية من الشركة القديمة، وإلاَّ لن يُوظفك أحد.

من المهم أن تدرك أنَّ الشركات في كندا يمكنها أن تتجاوز عن أخطائك المهنية، ولكنها لن تتجاوز عن أخطائك الثقافية على الإطلاق ... خصوصاً إذا كانت في حق الآخرين.

أنا شخصياً تجاوزت تلك العقبة من خلال فهمي لما تعينه تلك الخبرة، ومن ثم عملت على إقناع الشركة الأولى بمهاراتي الإنسانية، وكيفية تعاملي مع المواقف التي ذكرت، وهنا يأتي دور مهارات الحوار وفنون الإقناع وقت المقابلة، فاقتنعوا ومنحوني العمل، والحمدلله لم أخذلهم.

من الجدير بالذكر أنَّ التشعب المهني الذي تعرضت له في الشرق قد ميَّزني عن زملائي الكنديين، فقد كنت بالنسبة لهم واسع الإطلاع، وخلال جلسات النقاش أو التخطيط لمشروع ما، غالباً ما كان لي إضافة مفيدة لخط سير المشروع، وهنا بدأت أشعر بأننا نحن المهاجرون العرب لدينا من الخبرة ما يكفي لاقتحام سوق العمل في كندا بكل يُسر إن فهمنا قوانينه وعملنا على توظيفها كما ينبغي.

فمهما كانت عقباتك التي تحملها معك من الشرق ... إياك أن تنهزم أمامها، وتأكد من أنَّ هنالك طرق عدة لتجاوز تلك العقبات، فقد تعلمت من نظام الملاحة بمركبتي الـ (GPS) عدم الإستسلام أبداً مهما كنت بعيداً عن الحل، فكلما سلكت طريقاً خاطئاً ... أوجد لي عشر طرق أخرى لنقطة وصولي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع