المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

أقنعة المساجد

تم النشر: تم التحديث:

عن أقنعة المسلمين في المساجد

متى يُبقي المسلمون على أقنعتهم دون خلعها؟

الأقنعة التي يخلعها المسلمون.. فتتكشف سواءاتهم

2017-12-15-1513311790-6182971-Pretending.jpg

غالباً ما ترى وجوه المسلمين الطيبة واليانعة داخل المساجد، حتى السلوك يكون في أرقى درجاته عندما يتعامل المسلمون فيما بينهم داخل المسجد، بل تجد المسلم يتخلَّق بأخلاق النبي الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم- عندما ينوي مناصحة أحد المصلين مع لباقة وحرص بالغين؛ لكي لا يجرح شعوره ولو عن غير قصد، فطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون غاية في المثالية، والكل يجتهد في مساعدة المحتاجين.

بمعنى آخر.. الأخلاق العالية والنبيلة تكون في أقصى درجاتها، وهذا شيء رائع بكل تأكيد.

ولكن ماذا يحدث عندما يخرج المسلم من بيت الله؟ أين تذهب هذه المعاملة الراقية؟ لماذا هذه المفارقة الغريبة جداً داخل جدران المسجد وخارجه؟ هل كان يؤدي المسلمون في بيت الله مسرحية الأخلاق الفاضلة وما أن انقضت فصولها خلعوا الأقنعة وعادوا إلى حقيقتهم؟ وإن كان ما يحدث في المسجد مسرحية الفضلاء.. فلماذا لا ننقلها إلى الخارج؟

كنت دائم الانتقاد للفرد الغربي بسبب تظاهره المستمر بالأخلاق العالية واللطافة في الوقت الذي قد لا يكون هذا الشيء حقيقياً في داخله، فمن الممكن جداً أن يتظاهر باحترامه للآخرين، بل يبالغ بإظهار الاحترام والأدب -بغضّ النظر مع مَن يتعامل- حتى أصبحت طريقة تعاملهم معروفة وجليَّة لمن خارج ثقافتهم، فهم هكذا في البيت والعمل ودور العبادة والشارع؛ إما احتراماً حقيقياً مع الالتزام الكامل بالنظم والقوانين، أو تظاهراً، في المحصلة ستحصل على شعب كامل يظهر الاحترام والتقدير والالتزام بالنظام.

وقفت على مثل تلك الحالة وأجريت مقارنة لما يحدث في العالم الغربي وما يحدث داخل مساجد المسلمين، ووجدت تشابهاً كبيراً في التظاهر، نعم عزيزي القارئ.. حتى ما يحدث عندنا من أخلاق عالية داخل المساجد هو عبارة عن تظاهر - إلاَّ من رحم الله، إذاً كيف تفسر تدني الأخلاق خارج المسجد من نفس الأشخاص الذين منذ لحظات كانوا على غير ذلك؟! والطامة الكبرى أن تجد هذا يحدث مع الذين يحملون صفات الالتزام الديني.

حدث معي موقف ذات يوم ليس بالبعيد عندما كنت أقود مركبتي في طرقات الرياض -المدينة التي أحبها بعد منتصف الليل وهي فارغة!- واعترضني قائد مركبة بشكل غير قانوني وحاول تجاوزي بشكل متهور لينتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ ليلحق بالإشارة الضوئية قبل أن تصبح حمراء، وكاد أن يقتل نفسه ويقتلني معه، وأحمد الله أنني كنت متيقظاً وتوقفت بأعجوبة لأتحاشى تهوره غير المسؤول، ورغم ذلك التهور.. لم يتمكن من هذا التجاوز وتوقف مُجبَراً إلى جانبي، فنظرت إليه وصُدمت عندما وجدته ملتزماً ذا لحية شرعية وثوب أبيض وشماغ بدون عقال، لم أحتمل ما رأيت، فنظرت إليه وأشرت بيدي لأحركها من أسفل ذقني إلى منتصف صدري -إشارة إلى اللحية الطويلة- وأومأت إليه برأسي منزعجاً مما رأيت منه، والذي صدمني أكثر أنه لم يكترث ولم يعتذر عن جريمته النكراء واستخفافه بأرواح البشر، فكل ما قام به أنه قدم مركبته قليلاً ليتحاشى نظراتي إليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مشكلة معقدة يعيشها المجتمع المسلم الذي أضحى لا يتحلى بالأخلاق الحميدة إلاَّ في بيوت الله، فالإنسان المسلم يتعلم الأخلاق الإسلامية بشكل نظري، وأصبح يلزمه الهجرة إلى بلاد الغرب لممارسة هذه النظريات بشكل عملي حتى يتقنها، والله إني وددت أن أدعو ملوك ورؤساء المسلمين من أن يجعلوا من أوطاننا المسلمة مسجداً كبيراً تبدأ جدرانه من طنجة وتنتهي في جاكرتا لعلَّ وعسى أن يلازم المسلمين شعور التواجد في المسجد طوال اليوم، بمعنى آخر، ما دمنا نتظاهر بالأخلاق الحميدة في بيوت الله، لماذا لا ننقلها إلى خارج المسجد وننعم بها طوال يومنا؟ لماذا لا نحتفظ بأقنعتنا طوال اليوم؟

في الحقيقة أنا أعتب على العلماء والدعاة الذين لا يمَلوّن من حثّ المسلمين وتذكيرهم بضرورة إعفاء اللحية والحفاظ على صلاة الضحى وعدم إسبال الثوب والمحافظة على تغطية الرأس، دون تذكيرهم بضرورة الأخلاق الحميدة خارج المسجد، فالمسلمون يعانون من مشكلة الممارسة الصادقة لما يتعلمونه في دروسهم الشرعية، فهي مع الأسف تبقى تعاليم نظرية لا يظهر أثرها في المجتمع، وليس بالضرورة أن يكون المشاركون في مسرحية الأخلاق من الملتزمين فقط، بل هم أيضاً من عامة الناس الذين نراهم كل يوم في الصلوات الخمس.

المسلم يتواجد في المسجد ١٠ - ٢٠ دقيقة فقط بمعدل خمس مرات يومياً، أي من ساعة إلى ساعة ونصف، وباقي الوقت هو بين أهله وفي عمله وفي الشارع، أعذروني على جرأتي ولكني فعلاً أعني ما أقول، أنا أدعو المسلمين إلى الاستمرار في حمل أقنعتهم الجميلة خارج المسجد لتكملة أداء مسرحية الأخلاق الحميدة، لعل هذه الدعوة إلى التظاهر ستأتي بخير بعد مدة من ممارستها المتكررة؛ لتصبح عادة متأصلة في الثقافة العربية كما حدث مع العالم الغربي.

كم يؤسفني أن أتطرق لمثل هذا الحديث الذي يعتبره البعض مضيعة للوقت، ولكن التجارب علَّمتني أن الملاحظات الدقيقة التي لا يُلقي أحد لها بالاً قد تكون غاية في الأهمية، ومنها يمكن أن ننطلق في التطوير والتغيير، فتسليط الضوء على الممارسات الاجتماعية الخاطئة ودراستها ومحاولة تصحيحها وإيصالها إلى المجتمع، سيكون له الأثر الإيجابي بكل تأكيد، وهذا جزء مهم من العلوم الإنسانية والاجتماعية والتي نفتقد لمتخصصيها المحترفين كما يحدث في العالم المتحضر، فمثل هؤلاء العلماء يشكّلون نواة الحضارة الغربية من الناحية الاجتماعية التي بدورها تؤثر بإيجاب كبير على أداء الفرد ودوره في تطوّر المجتمع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.