المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

عندما أظلَّني مَلَك الموت!

تم النشر: تم التحديث:

2017-08-28-1503927566-665378-HamadHospital.jpg

من الطقوس اليومية التي أقوم بها كل صباح، الجري لمدة ٣٠ دقيقة ومن ثم السباحة لمدة ٢٠ دقيقة، لأكون بعدها جاهزاً تماماً لاستقبال يوم مليء بالمسؤوليات المرهقة. لكن في الأسبوع الماضي وبالتحديد في عطلة نهاية الأسبوع، أحببت أن أستثني رياضة الجري، وعوضاً عنها قمت بالسباحة لمدة ٤٥ دقيقة من دون انقطاع، وعندما أقول سباحة.. فهي سباحة رياضية متواصلة كما ينبغي، وليست فقط الوقوف في عرض المسبح!

بعدما انتهيت من السباحة، استلقيت على الكرسي الخشبي بجانب المسبح لآخذ قسطاً من الراحة، وعندما هممت بالعودة إلى مقر إقامتي، شعرت بالعطش، ومن ثم هبوط في الضغط وتعرُّق شديد مع رغبة بالتقيؤ، مع أنَّ معدتي وقتها كانت فارغة ولا يوجد بها طعام، ولكن هذا شعور طبيعي لهبوط ضغط الدم من شدة الإرهاق والجفاف معاً.

من الجدير بالذكر أني في تلك الليلة لم أحظ بعدد كاف من ساعات النوم، بسبب الاستيقاظ المُبكِّر بعد سهر تجاوز منتصف الليل لإنهاء بعض الأعمال المتأخرة.

المهم وأنا في طريق العودة، جلست على كرسي في النادي الرياضي لأني بدأت أشعر بالغثيان وأصبحت لا أقوى على الوقوف، لأفقد الوعي تماماً وأنا على الكرسي!

وعلى ما يبدو أنَّ أحد المُدرِّبين انتبه إلي وأنا مُغمى علي، فهرع لنجدتي محاولاً إيقاظي كي لا تسوء حالتي، وبدأ بالضغط بقوة على المنطقة التي بين السبابة والإبهام في يدي، وهو يُردد بالإنكليزية: (سيدي.. أرجوك استيقظ ولا تُغمض عينيك!)، وبقي يُحاول إلى أن أيقظني فعلاً، لأجد حولي العشرات من الناس قد تحلَّقوا في محاولة لنجدتي، إلى أن اخترق الصفوف طبيب باكستاني يسكن في نفس الأبراج التي أقيم فيها، وكان قد أنهى تمارينه للتو وعلى وشك الرحيل، فطلب من العاملين تمديدي على الأرض ورفع قدمي إلى الأعلى في محاولة لتنشيط الدورة الدموية.

بعد دقائق من فحصي، قال لهم: (اتصلوا بالإسعاف.. حالته سيئة ويجب نقله إلى المستشفى فوراً!).

كل هذا كان يدور من حولي وأنا في حالة من الضعف الجسدي لم أشهدها من قبل! ولم يكن حتى يخطر لي أن أسقط في حالة إغماء وسط الناس بهذه الطريقة!

خلال دقائق معدودة، كان رجال الإسعاف فوق رأسي يقومون بالإسعافات الأولية، وبعدها قرروا نقلي إلى المستشفى لإجراء فحوصات كاملة للاطمئنان علي، ولأنهم لاحظوا أنَّ ضغط الدم لم يتحسن وأنَّ نبضات القلب بطيئة، شعروا بالقلق!

وصلت إلى مستشفى حمد العام في العاصمة الدوحة، وعلى الفور أدخلوني إلى غرفة الطوارئ، وقاموا بكل الفحوصات المطلوبة من أشعة للصدر وتخطيط للقلب وفحص للدم وفحوص سريرية أخرى، ومن ثم أحضروا لي وجبة طعام - محترمة - لتناولها، ناهيك عن المحاليل السائلة التي حقنوها في شريان يدي لتجاوز نوبة الجفاف التي سلبت قوتي وأنهكت جسدي.

بعد أربع ساعات من الفحوص الشاملة، شعرت بتحسن في النبض ومُعدل الضغط، وتجاوزت محنة الجفاف، فقرر الأطباء أنه بإمكاني مغادرة المشفى.

وعند المغادرة، سألت إن كان هناك أي مستحقات مالية يجب علي دفعها مقابل خدمة الإسعاف والطوارئ وكل تلك الفحوصات.. فالشركة التي أعمل بها توفر لي تأميناً طبياً، فكان الجواب أنَّ الحساب (صفر!) ولا داعي لاستخدام بطاقة التأمين الخاصة بي، فكل تلك الخدمات مجانية في مستشفى حمد العام للمواطن والمقيم على حد سواء.. وهنا دُهشت تماماً!

وأخبروني أنَّ بطاقة التأمين تلزمني فقط في المستشفيات الخاصة، وذلك خلاف دول الخليج الأخرى التي تحتاج من المقيم الحصول على إعفاء من الحكومة أو الديوان الأميري من أجل دخول المستشفيات الحكومية.

شكرتهم من أعماق قلبي، وحمدت الله على تلك النعمة، وعدت أدراجي إلى المنزل وأنا أسترجع شريط أحداث اليوم، وتذكرت وقتها كندا التي أحب، والضرائب الباهظة التي كنت أدفعها دون أن أحظى بخدمة إسعاف مجاني!

نعم عزيزي القارئ، الغالبية الساحقة لا تعلم أنَّ خدمة الإسعاف في كندا ليست مجانية، فعلى الرغم من تقدم تلك البلاد وتوفر تأمين طبي من الدولة، إلاَّ أنَّ كلفة خدمة الإسعاف (٤٥) دولاراً في مقاطعة مثل أونتاريو، و(٢٤٠) دولاراً لمَن لا يملك تأميناً صحياً والمعروف بالـ (OHIP) في نفس المقاطعة. ناهيك عن جحيم الطوارئ الذي أبغضه.. فالطوارئ في كندا تُعاني من بيروقراطية مقيتة تم تصميمها لحماية المستشفى وكادرها الطبي، عوضاً عن خدمة المريض وحمايته!

وكنت قد كتبت في ذلك مقالاً بعنوان (طريق الآلام في كندا) شرحت فيه تلك الأزمة التي ليس لها حل في القاموس الكندي مع الأسف الشديد.

بقي أن أذكر لكم نقطة مهمة جداً من ذلك الموقف، فقد أخبرني الأطباء أني محظوظ جداً لتوقفي في النادي الرياضي لحظة مغادرة المسبح، فلو وصلت إلى المنزل في تلك الحالة السيئة وسقطت على الفراش في غيبوبة، كان احتمال مغادرة الحياة كبيراً جداً بسبب تباطؤ دقات القلب ومن ثم توقفها، وعلى مايبدو أنَّ الموت كان يُحلِّق فوق رأسي في تلك اللحظات، ولكن الله أراد لي الحياة ولم يشأ أن يُرمِّل زوجتي ويُيتم فتياتي وهنَّ في عمر الزهور وفي أشد الحاجة لوجودي، فالحمدلله الذي تتم بنعمته الصالحات، والحمدلله على نعمة الحياة.

لكن بقيت فكرة واحدة عالقة في رأسي، وكلما راودتني.. انتابتني نوبة خوف من حجم المسؤولية: (ماذا لو تمكَّن مني مَلَك الموت قبل أن أُخرجهُنَّ من كندا؟ ما هو مصيرهنَّ لو لم أُهيئ لهنَّ فرصة العودة إلى الشرق؟!).

حفظ الله عليكم أرواحكم سالمة وأُسرَكم غانمة، ولا أراكم الله مكروهاً في أجسادكم، ولا أراكم مصيبة في دينكم، ولا حسرة في ذريتكم ~ دمتم في رعاية الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.