المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين يونس Headshot

لماذا اخترت الهجرة إلى كندا؟

تم النشر: تم التحديث:

عندما قررت الهجرة إلى كندا، كان همِّي الأول كسائر مهاجري العالم الثالث هو الحصول على الجنسية الكندية، والتمتع بحياة سويِّة كممارسة الحرية الفكرية من دون تهديد بسحب الهوية إلى ما هنالك من مقومات بشرية تُعين على النجاح. ومع مرور الوقت، حينما بدأت بالعمل ومزاحمة الناس في الحياة اليومية، ظهرت لي فوائد أخرى كنت أجهلها، أكبر من تلك التي هاجرت من أجلها، وسأتحدث عنها بالتفصيل في المقالات القادمة -بإذن الله.

لكن ما أود التركيز عليه اليوم، هو لماذا اخترت كندا من دون الدول الأخرى؟ سؤال وردني كثيرًا، وبالتأكيد هنالك أسباب وجيهة جعلتني أختار كندا. فعندما بدأت فكرة الهجرة تأخذ مُنحنىً جديًّا في حياتي، بدأت بوضع خطة تفصيلية لملامح الدولة، أهمها:

اللغة الرسمية الإنجليزية: أذكر المصاعب التي لازمتني أثناء دراستي الجامعية في جمهورية أوكرانيا الناطقة باللغة الروسية إلى أن أتقنت تلك اللغة، فقد كان لزامًا تعلم الروسية لمدة عام كامل قبل البدء في الدراسة الجامعية، لكن المشكلة أني بعد الجامعة لم أستفد منها على الإطلاق، فاللغة الإنجليزية هي لغة العمل والأبحاث والتطوير، ناهيك عن أنَّ ٨٠٪ من المؤلفات في العالم هي بالإنجليزية، والـ ٢٠٪ الباقية هي بلغات العالم الأخرى. الشاهد أني لم أكن أرغب في خوض غمار تجربة أخرى مع لغة خاسرة غير الإنجليزية، فالحياة قصيرة والعمر يجري وكل يوم يعني لي الكثير ولا مجال لإضاعته، فإضاعة الوقت أصبحت أشد من الموت، وهكذا استثنيت جميع الدول غير الناطقة بالإنجليزية مثل النرويج، الدانمارك، السويد، ألمانيا، النمسا، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا ... إلخ، وبقيت في لائحتي: أمريكا، بريطانيا، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا.

مجتمع متسامح مع المسلمين: هذا المعيار لم يكن يقل أهمية عن الذي سبقه، فأنا لا أريد أن أحيا في بلاد -حتى وإن كانت هجرتي مؤقتة- تزيدني وهنًا على وهن، وجهودي التي أبذلها في تحسين حياتي وحياة من حولي تستحق أن أحيا في ظل نظام يُتيح لي حرية الفكر والاعتقاد، وهذا المعيار جعلني أستثني أستراليا التي اشتهرت بعنصريتها تجاه العرب والمسلمين، ناهيك بأنها تاريخيًّا كانت المنفى لكبار مجرمي بريطانيا الذين كانت تنفيهم الحكومة الإنجليزية منذ مئات السنين بعيدًا عن أراضيها إلى تلك الجزيرة في أقصى جنوب الأرض، وتبين لي أنَّ نيوزيلندا متأثرة جدًّا بجارتها أستراليا، فاستثنيتها هي الأخرى، وأبقيت على بريطانيا وكندا، أما أمريكا فأبقيتها على مضض كخيار أخير إذا تقطعت السبل، فالعنصرية هناك في ازدياد مقارنة مع بريطانيا وكندا.

وجود نظام للهجرة: بعض دول العالم الأول قد أغلقت نظام الهجرة بسبب الاكتفاء مثل بريطانيا التي لم تعد تستقبل المهاجرين الجدد، لكنها أبقت على نظام اللجوء السياسي والإنساني، وهكذا طارت بريطانيا خارج قائمتي لتبقى كندا وأمريكا، وبما أنَّ كندا دولة يافعة ذات أراضٍ شاسعة وموارد طبيعية هائلة، فهم مازالوا بحاجة إلى الكثير من المهاجرين لإعمار دولتهم وفق رؤيتهم الوطنية، واليوم نظام الهجرة الكندي يُعتبر الأفضل والأسرع عالميًّا، وقد استثمرت الحكومة الكندية الكثير من الجهد والمال في تحسين ذلك النظام، فلا توجد معلومة تخص الهجرة إلا نشروها على موقعهم الرسمي، لدرجة أني قدمت أوراقي من دون مساعدة أحد، حتى محامي الهجرة كنت في غنى عن خدماته، فكل شيء كان مفهوماً وواضحاً وتمكنت من إنجاز معاملتي بنفسي من دون أي وسيط. أما أمريكا فنظام الهجرة لديها مبني على القرعة (Lottery) وقد يُصادفك الحظ من أول محاولة، أو يستغرق عشرات السنين من دون أي نتيجة، وقد حاولت عدة سنوات في التزامن مع الهجرة الكندية ولكن من دون فائدة، والحمد لله أنَّ الله -سبحانه وتعالى- يعلم أين الخير لعباده، فاستطعت إنجاز الكندية قبل الأمريكية.

توفر العمل: تأكدت من أنَّ مجال عملي متوفر في كندا وأنه لا يحتاج إلى معادلة شهادة، وسأتطرق لهذا الأمر الغاية في الأهمية في مقال منفصل -بإذن الله.

هذه معاييري الخاصة التي اعتمدتها في اختيار بلد المهجر، وقد تكون -عزيزي القارئ- معاييرك مختلفة حسب ظروفك وحاجاتك، وحتى تبني معاييرك الخاصة التي تناسبك، عليك أن تمتلك خطة، فإذا كنت لا تعلم كيف تخطط ومن أين تبدأ، اتبع الطريقة التالية وستجد ضالتك -بإذن الله:

حدد رؤيتك: لا بد من تحديد الرؤية بكلمات مختصرة، ومثال على ذلك: (أود أن أهاجر لمدة ١٠ سنوات إلى بلد يُعينني على استخراج طاقاتي الكامنة لأشق طريقي نحو النجاح، وبالتالي أصبح مَرجعاً كفؤاً لعائلتي وأمتي لبثِّ روح الأمل والتفاؤل والإبداع).

حدد أهدافك: ستحتاج هذه الرؤية إلى قائمة أهداف لتحقيقها، قم بتحديدها عن طريق طرح الأسئلة بصراحة وواقعية:

هل عمري مناسب للهجرة؟
هل عمر أطفالي مناسب للهجرة؟
هل عمري مناسب للحصول على عمل في ذلك البلد؟
هل أهله يتمتعون بأخلاق عالية؟
هل يوفِّر حرية الفكر والاعتقاد؟
هل توجد فيه رعاية صحية؟
هل يمكنني أن آمن فيه على ديني ونفسي ومالي وعرضي وذريتي؟
ما هو المبلغ الذي سأحتاجه لأول ٦ أشهر من دون عمل؟
ما هي خطتي البديلة إن لم أجد عملاً؟
هل عملي سيحتاج إلى معادلة شهادة؟ كم ستستغرق؟ وإذا قررت المعادلة، كيف سأنفق على نفسي وأسرتي إلى أن أنتهي من ذلك؟

وهكذا استمر في طرح الأسئلة بينك وبين أهل بيتك إلى أن تجد أجوبة شافية قدر المستطاع لتخرج بقائمة أهداف واضحة.

ارسم خطة تنفيذية: لنفترض أنه قد أصبح لديك قائمة أهداف واضحة، ابدأ الآن بتفصيل كيفية تحقيق تلك الأهداف، ومثال على ذلك:

بما أنَّ أطفالي قد شارفوا سن البلوغ، فأعمارهم ستكون حرجة في بلد منفتح مثل كندا، لذلك سأضطر إلى أن ألحقهم بمدارس إسلامية بدلاً من الحكومية للحفاظ عليهم وعلى هويتهم الإسلامية، وبالطبع سأحتاج مالاً أكثر لتغطية تلك النفقات.

شهادة الطب ستحتاج إلي ٣ سنوات كي أنتهي من معادلتها، وحتى ذلك الوقت سأعمل أنا وزوجتي معًا في أي متجر لتغطية نفقاتنا الأساسية.
سأحتاج لمبلغ ٥٠ ألف دولار للأشهر الستة الأولى في كندا، وبما أني لا أملك المبلغ كاملاً، سأبدأ بالادخار له من الآن وعلى مدى عامين كاملين.

سأسكن بجانب الجالية الإسلامية كي أبقى قريباً منهم ومن المسجد كي لا أنسى ديني وهويتي.

وإلى آخر ذلك من التفصيل بحيث تشمل في داخلها الأطر الزمنية المطلوبة لتنفيذ الأهداف، والوقت الأقصى لكل منها وهكذا.

نفذ خطتك: هذه هي الخطوة الأهم والتي ستحدد مصير خطتك ما بين أن تصبح حقيقة أو أن تبقى حلمًا على ورق. يقول "ستيف جوبز" (المكان الوحيد الذي تأتي فيه كلمة النجاح قبل العمل هو في القاموس).

قيِّم وطوِّر: تذكر أنَّ خطتك ستحتاج إلى مراجعة وتنقيح بعد كتابتها فهي ليست معصومة عن الخطأ، وستتغير حسب ظروفك وقدراتك، واجعل أهل بيتك جزءًا منها لتصبح حقيقة.

قد ينتابك شعور بالإحباط في بادئ الأمر، أو قد ترى أمر التخطيط أكبر من قدراتك لترضى بعدها بالفوضى الحالية، قاوم هذا الشعور وابدأ بكتابة خطتك وإياك أن تنسحب، وستنجح -بإذن الله، وبعدها شاركنا ما وصلت إليه.

كل التوفيق.