المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين صالح عمار Headshot

محطة الشهيد أشرف القزاز

تم النشر: تم التحديث:

قطار التصفية الجسدية الذي لا يتوقف عن الحركة يفاجِئُنا دائماً بالمحطة التي يريدها بعد أن يغادرها، تاركاً بصمته، كما هو المعتاد، عند مغادرته كل المحطات السابقة.

يسعى سائق القطار دائماً إلى أن يطمس معالم وصوله إلى المحطة، أو أن يبرر الوصول، وشرعية طريق المغادرة، ولكن دون جدوى، فلا جديد في دفاعه عن نفسه، ولا إضافة في مبرراته الكربونية.

وصل القطار هذه المرة إلى مدينة كرداسة، الاثنين 17 أكتوبر/تشرين الأول 2016، وبالتحديد إلى منزل أخت الشاب المصري، صاحب المحطة، أشرف القزاز، المطارَد منذ ثلاثة أعوام، وتتهمه الشرطة بالتهم نفسها الموجهة لأكثر من 40 ألف مواطن مصري، وذلك لرفضهم حركة 3 يوليو/تموز 2013، وانحيازهم إلى اختيار الشعب، المتمثل في الرئيس الدكتور محمد مرسي.


على هامش ما وقع في المحطة، أشرف القزاز، صاحب الذكر الطيب في نفوس أهالي كرداسة من الناحية السلوكية والأخلاقية والتزامه الديني من جهة، وشهامته ورجولته وعمله على خدمة أهل منطقته وحمايتهم وقت أن انسحبت الشرطة في 2011 من الشوارع، وأصبح واضحاً حجم خيانتها لله وللشعب وللوطن.

ليلاً، يجوب أطراف المدينة بصحبة أمثاله من شباب كرداسة لحمايتها من أي اعتداء، ولعلك تستطيع التعرف على اللجنة الشعبية في كرداسة، وماذا فعلت، وكيف كانت مثالاً يحتذى، وكيف كانت تتعامل معها مؤسسات الدولة وقادتها؛ لعلي أذكر تكريم مدير أمن الجيزة عابدين يوسف، حين كان لأعضاء اللجنة الشعبية وغيرها نصيب من التكريمات.

بعد أن اقتُحم منزله أكثر من ست مرات وحُطمت محتوياته بالكامل، وبعد أن ظل مطارَداً مدة ثلاث سنوات و٢٨ يوماً، تلقت قوات الأمن بلاغاً من أحد كلابها، بأن أشرف موجود الآن في منزل أخته الأرملة، وبالفعل لم تكذب القوات خبراً، وتوجهت بحملة مكبرة إلى كرداسة حيث الهدف.

قوات مستعدة تعرف طبيعة هدف الحملة

فجراً، بدأت قوات الأمن بالانتشار في المدينة، وتوجهت القوة الضاربة إلى مسرح الأحداث، واقتحمت المنزل، وأمسكت بالضحية.

أخرجوا صاحبة المنزل من بيتها، وأحضروا لها أطفالها النائمين في الشارع، واستفردوا بالضحية، وأحكموا السيطرة عليها، وصاح قائد القطار: الآن، الفريسة جاهزة لنهش جسدها، والتلذذ بدمائها.

استمروا في ممارسة شهواتهم العدوانية مدة أربع ساعات تقريباً حتى أنهكوا جسده الضعيف، وروحه الطاهرة، أعلن أحدهم عن اقتراب موعد المغادرة، بإطلاق عدة أعيرة نارية، تبين فيما بعد أن الضحية قد ناله ثلاث طلقات في الصدر من هذا الإعلان.

خرجوا حاملين جسده، وروحه حرة، ووضعوه في سيارة إسعاف، وقالوا للحاضرين من الجيران والأهل: "اسألوا عليه في أي مستشفى من مستشفيات الهرم".

هذا ما حدث وصولاً ومغادرة.. أما ما جاء في بيان "الداخلية"، فتجاوز الكذب والتضليل، ولكنه متسق جداً مع ممارسات الشرطة، فالذي يستهين بحياة البشر، ويتفنن في إيذائهم، لا يحترم عقولهم.

لن أتطرق إلى الحديث عن أجهزة الشرطة وقواتها الخاصة، واحترافية العمل، فهي تمتلك أدوات القبض على المتهمين أحياء حتى وإن كانوا مسلحين.

كما أنني لم أنظر إلى افتراء البيان على الضحية كدليل اتهام لهم؛ لوجود أدلة أكثر اعتباراً، فتمثل الافتراء في أن الضحية صادر بحقه حكم بالإعدام في قضية اقتحام قسم شرطة كرداسة، التي تأكدت من كذب البيان بمراجعة أسماء المتهمين في هذه القضية، وإن ذكر البيان أنه حدث تبادل إطلاق نار، ولم يصَب أحد من قوات الأمن الموجودة في الشارع (هدف سهل)، والذي قتل هو المتحصن في المنزل (هدف صعب)، مثل كل حالات التصفية الجسدية!

وذكرت أنه تم ضبط بندقية خرطوش وعدد 3 أظرف فارغة، إذن، السلاح المستخدم هو خرطوش غير مميت، ولكن الإصابة منه محققة؛ لأن المظروف يحتوي على أكثر من 400 بلية تنتشر بشكل واسع في مسار الإطلاق!

حالة جسده تعزز الثابت أنه تم الإمساك به وتعذيبه بشكل وحشي؛ إما أن يعترف بما يريدون فيُقتَل، وإما القتل.

لا هدف إلا الموت يبتغيه قائد قطار القتل!!
ماذا لو أننا أمام جهاز شرطة يحكمه قليل من القانون؟

لحدث أن القوات، بناء على إخبارية بوجود أحد العناصر الخطرة في مكان ما، توجهت إليه قوات خاصة مدربة على هذه المهام، وعند وصول القوات، بادر العنصر الخطر بإطلاق نار من بندقية خرطوش، فأحدث في القوات إصابات كثيرة؛ لكونهم في الشارع وهو متمركز في مكان مغلق يستطيع استهدافهم، ويصعب استهدافه، فتبدأ القوات بالتستر بإعادة الانتشار وتأمين دخول القوات للهدف، فإذا استمر، أعتقد أن القوات؛ إما أن تستمر في المناورة وحصار الهدف حتى تنفد ذخيرته، وإما إلقاء قنبلة غاز تجبر العنصر على الخروج، وإما أن تضطر القوات في حال إصرار العنصر على إيذائها إلى إصابته بطلق ناري في القدم أو الذراع بقصد منع مقاومته، ومن ثم القبض عليه لتقديمه للمحاكمة!

هكذا تعمل أجهزة الأمن، على عكس ما تقوم به قوات الشرطة المصرية، التي للأسف لا تقل إجراماً عن عمليات عصابات المافيا والقتل بأجر!

هكذا قُتل أشرف تاركاً زوجة تحملت معه ظلم المطاردة، ولكنها ستتحمل وحدها ظلم فراقه للأبد.. قُتل أشرف وترك ثلاثة أطفال في عمر البراءة، ربما لن يخرج من أفواههم الآن: "لماذا أبي؟!"، ولكنك ستراه من نظرة أعينهم، ستسمعه أذناك يوماً ما، فهل لديك إجابة؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.