المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام محمد عبدالستار Headshot

سوريا التي لا أفهمها ..

تم النشر: تم التحديث:

كل تلك الحروب ونيرانها المتأججة لا تجد من يُطفئ نيرانها، لا تَعرِف من يذكيها ولا من أشعل فتيلها ولا تعرف من يملك زمام الأمر؟!

سوريا، تلك الدولة التي ارتسمت على قسماتها ملامح الحزن والألم وتملّكها الشعور بالعجز؛ بل الإيمان بأنها عاجزة.

عكفت قبل كتابة المقال على استطلاع الآراء واستقصاء المعلومات، بحثت كثيراً كثيراً لم أجد حلاً وافياً، ولا أجد غضاضة في القول إني لم أستطع فهم الوضع حتى! ولكن، دعونا نرَ ما قد يكون حلاً.

علي إحدى الضفاف، بدأت الثورة السورية، ثم أتبعها تداول صور ومقاطع مسجلة للمظاهرات الغاضبة ضد بشار الأسد، كان النظام السوري يتبع ما اتبعه أسلافه من الأنظمة العربية؛ اتهم تلك المظاهرات بأنها مفبركة وغير موجودة أصلاً، وإن اعترف تُوصف بأنها محدودة، ثم بعد برهة من الوقت تُتهم بأنها من جماعات مدفوعة بالمال لإسقاط الدولة. وفي رواية أخرى أشد عدائية بأنهم جماعات إرهابية مسلحة تستهدف النيل، ليس من سوريا وحدها؛ ولكن الأمة العربية.

وعلى الضفة الأخرى، نجد من يصنفها على أنها ثورة شعبية سلمية دفعها العنف المفرط من النظام إلى التحول إلى ثورة مسلحة، لكنها تحتفظ بآدميتها على الأقل -على حد وصفهم- لا تستهدف نساء ولا أطفالاً؛ بل حتى لا تستهدف المدنيين، رغم أن النظام السوري يتهمهم باستخدام الغازات السامة مثل غاز الكلور؛ تلك التهمة التي يتناقلها الأطراف ككرة المضرب، فكل طرف يتهم الآخر باستخدام الغازات السامة، وعلى الصعيد الدولي تبنى مجلس الأمن الدولي قراراً يدين أي استخدام لغاز الكلور في النزاع السوري، من دون توجيه الاتهام لأي طرف.

وفي الجزء المظلم من الرواية، تجد "داعش" و"جبهة النصرة" و"جيش الفتح" ومن على شاكلتهم من الجماعات التي لا يعرف لها أصلاً ولا فصلاً. ذلك الجزء هو الذي جعل الصورة تبدو حالكة السواد أكثر مما كانت ستكون عليه، تلك الجماعات التي اتفق الجميع على توجيه أصابع الاتهام لها باستخدام كل الوسائل وخاصة غير المشروعة. ولكن، تلك الأصابع أحياناً تكون خادعة فتُظهر اعتراضاً وتوجه اتهامات، ولكنها في الواقع تدعم تلك المجموعات بالمال والسلاح والمعلومات اللوجيستية.

ذلك، اختصاراً، هو التقسيم المتعارف عليه دولياً: النظام، والمعارضة المعتدلة، والمعارضة المتطرفة، وتلك الأطراف تجد دعماً دولياً صريحاً باستثناء المعارضة المتطرفة التي تحصل على دعم خفي.

فمن المتحكم في الوضع السوري؟!

سوريا أشبه ما يكون بميدان رماية، فيه 10 رماة يتصارعون فيما بينهم للفتك بالهدف، وكما سبق أن صنفنا الأطراف المتنازعة، كذلك سيتم تصنيف الداعمين أيضاً. لذا، دعونا نوضح أطراف أحد أبرز النزاعات المعقدة على مر التاريخ.

الحكومة السورية أكبر داعميها موسكو وإيران وحركة حزب الله اللبناني، ومن أبرز القوى المواجِهة للحكومة السورية على الأرض: "داعش"، والجيش السوري الحر، وجيش الفتح (جبهة النصرة). وتأتي المعارضة للحكومة السورية على رأسها واشنطن والرياض وأنقرة.

وعلى صعيد المعارضة السورية، أشد المحاربين لها النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية. أما قوات سوريا الديمقراطية، فهي مدعومة من أميركا وتحارَب من أنقرة و"داعش" والجيش السوري الحر.

أما "داعش"، فلا يوجد من يدعمها بشكل واضح وعلني وإن طالت الاتهامات واشنطن والرياض وأنقرة رغم ما لحق بهم من أذى من تلك الجماعة الإرهابية. ويقف ضد "داعش" النظام السوري وموسكو وطهران وحزب الله وواشنطن وأنقرة والجيش السوري الحر وقوات سوريا الديمقراطية.

تلك هي التركيبة العجيبة المتداخلة؛ فتجد واشنطن وموسكو تارة في خندق واحد وتارة في خندق المواجهة! بل حتى نجد النظام السوري والأميركي المتعارضين في خندق واحد للقتال معاً، وتجد قوات سوريا الديمقراطية في مشهد تقاتل ضد تركيا وفي مشهد آخر يتفقون معاً ضد "داعش"! أي حرب أهلية تلك التي انعدم فيها الوجود السوري بشكل قوي وواضح! فالأمر كله ليس بيد سوريا، ولكن بيد من يحاربون في سوريا، فالوصف الأدق لتلك الحرب هي الحرب بالوكالة وليس الحرب الأهلية.

حتى وإن تم تحديد الأطراف المتحكمة في الصراع، لا يمكن لنا أن نصف دواء ولا نرجح حلاً؛ نظراً لكون الأطراف المتحكّمة في الأصل أطرافاً متنازعةً وتسعى لفرض سطوتها على تلك المنطقة من العالم. ويبقى السؤال: هل فهمنا حقيقة الصراع؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.