المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام خطاب Headshot

صومي خمسينك.. وأصوم ثلاثيني

تم النشر: تم التحديث:

في زمن كنا فيه أطفالاً، كنا نلعب حتى ينال التعب من أجسادنا، ونمرح دون أن يعبر البال حيرة من غموض الغد. كانت الخطط تتمحور حول لقاءاتنا القادمة، وجلّ التفكير في ألاعيب ومغامرات في أزقة نحسبها صديقة العمر.

كانت السماء تحيطنا بعطفها، والسحب وسادات نضع رؤوسنا عليها إن عنّفنا رجل ما أو امرأة ما. كنّا نحسب الدنيا على عظمها تأتينا طائعة حالما نغازلها حباً، وكانت هي بدورها تفرد أكفها ترحيباً بشقاوة عابرة وطيش غادر. كانت الحواجز في العلاقات التي يضعها من سبقنا سناً لا تعنينا أو نعتبرها نصائح مؤجلة فيما هو مقبل من الأيام. لم نكن نكترث بجنس أو عرق أو دين الطفل الذي يشاركنا عبث أحلام الصبا. فالوقت عنوانه الأكبر هو اللهو مع من تميل إليه الأفئدة. فنحن المبتدأ في جملة اسمية والفاعل في جملة فعلية، وما عدانا يتبع!

كبرنا، واكتشفنا حالاً ذا عهد آخر، وزمناً ذا رواية جديدة، وعصراً ذا قصص أصبحنا فيها المفعول به على حين غرة. فالحواجز التي أهملناها سابقاً غدت متطلبات للعيش وفق قوانين موجودة في رؤوس كثير من بشر، ومن يثور عليها في عداد الأعداء. صار الدين والمعتنق سداً يحول بيننا وبين صديق الطفولة، ورفيق الأمس متأهباً للانقضاض فور بروز تلك الفوارق التي ما كانت! نغفل عن لحظات الفرح، ونعظم ما يفرّق فضلاً عمّا يجمع. فانكسرت الروابط، وصغناها على ألحان حديثة تنطلق من أفواه غريبة مأفونة. العازفون كنّا، والراقصون غدونا، والمتفرجون توالدوا حتى بات من الصعب حصر عيونهم، والباكون سالت دموعهم حتى جفت المآقي.

في أفراحنا ومناسباتنا في بلاد الشام، تتهافت الأقدام للمشاركة في دبكة سعادة. تتحلق الشخوص، ويضربون الأرض تعبيراً عن ساعة فرح، واحتفاء بموسم ابتعد عن الأسى بسرعة قصوى. الكتف يحاذي الكتف، والأيدي تتشابك، والسيقان تتمايل جميعاً على وتيرة منسجمة.

في الدبكة، جميع المشاركين قلب واحد ينبض حباً وينطق هناء ويتباهى فخراً. لا يسأل العقل عن كنه الشخص المحاذي، ولا يستفسر عن اليد التي أمسكت يده، لأن القوم هنا موحدون تجمعهم مشاعر احتفال، وتتوارى عنهم البغضاء. فالأجداد هكذا أرادوها في رسالة لمن سيعقبهم من أبناء وأحفاد. فما يكدر عيشك، سيفارقك لحظة وقوفك بجانب أخيك. وما يحزنك، سترميه على كتف رفيقك. وما تخافه، سيفرّ بعيداً عند تحالف الأقدام. فالجار جار، وابن الحي والقرية أخ لم تلده لك أمك، مسلماً كان أو مسيحياً، سنياً كان أو شيعياً، ومن نسي فقد جار!

وإذا التفتنا إلى الأغاني الشعبية والتراثية، نجد فيها ما يترك للألباب مساحات للتفكير. فالقلوب كان يأسرها الجمال، والنفوس تهوي إلى الحلو من القول والفعل، وتتغنى به منذ القدم على أسماع الخلائق. هناك العديد من القصص، ولعل أشهرها قصة أغنية (يردلي) من الفلكلور العراقي. فكلمات الأغنية تحدثنا عن بعض ما فقدناه. "يردلي يردلي سمرة قتلتيني، خافي من رب السما وحدي لا تخليني، أبوك يا أسمر حلو ماجا على ديني، انت على دينكِ وانا على ديني، صومي خمسينكِ وأصوم ثلاثيني".

فقصة الأغنية التي أعاد إنتاجها الكثير مثل سعدون جابر وكاظم الساهر، أن شاباً أحب فتاة على غير دينه، وكان يدعوها إلى نسيان الاختلاف، والاجتماع على الحب. فتعدد الأديان موجود، إلا أن هناك قبولا وانفتاحا تجاهها بغض النظر عن المعتنق نفسه، وإنما انتشار الأغنية دليل دامغ على محاكاتها لواقع عاصروه. فكون الدين مغايراً لا ينفي الحب، وكينونته هي رافد في نهر الأديان العظيم، وحديثه جزء يضيف جمالية إلى لوحة الفسيفساء الكبيرة.

ما كنّا يوماً أعراباً بصبغة متشابهة، ولا أقواماً على لون متشابه، فتأقلم وتكيف الأقدمون مع تلك الحقيقة دون جور أو ألم، فعاشوا ووصلنا. واعتقادنا أن الاختلاف داع للخلاف يحتاج إلى وقفة تأمل مطولة، فنحن الأحفاد الذي غرقوا في بحور الدم، واستنشقوا ريحها في مقامات ومقالات يشيب الولدان لها، وترتعد الفرائص لذكرها. سواء جهلنا أو علمنا، المشاهد جان بطريقة غريبة، ودم المقتول يلطخ ثيابه عبر الشاشات والفضاءات المترامية. وربما آن الأوان أن نعيش كلمات أغنية (يردلي) التي ترددت في الآفاق. أنت على دينك، وأنا على ديني.. صومي خمسينك وأصوم ثلاثيني!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.