المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام محمد الحلبوسي Headshot

خلق الله الكون على مراحل

تم النشر: تم التحديث:

لا بد أن تتم كل عملية نمو وتقدم حقيقي في نسق تدريجي، خطوة بخطوة؛ حيث تتبع تسلسلاً تطورياً طبيعياً، فعلى سبيل المثال تذكرنا الكتب السماوية أن السماوات والأرض خلقتا في ستة أيام، كل يوم كان له أهمية، وكل شيء كان له الموعد الذي تم فيه خلقه، فالضياء كان له موعده الذي خلق فيه، وكذا الأرض، وكذا النبات، وكذا الحيوان، حتى انتهى بالإنسان، على أن عملية التطور المتسلسل تلك تشيع في ميدان من ميادين الحياة.

ففي طفولتنا، نتعلم كيف نتقلب في مهدنا، ثم كيف نجلس، ثم كيف نحبو، ثم كيف نمشي، ثم كيف نجري، وتتميز كل مرحلة من تلك المراحل بأهميتها الخاصة بها، ولا يمكن إغفال مرحلة معها أو تخطيها.

وفي المدرسة، ندرس أولاً الحساب قبل أن ندرس الجبر، والجبر قبل حساب التفاضل والتكامل؛ لأننا لا يمكن أن نفهم حساب التفاضل والتكامل قبل أن نعي جيداً الجبر، وكذا الجبر لا يمكن أن ندرسه قبل الحساب.

وفي مجال الإنشاءات، نحن نبني أولاً الأسس القوية قبل أن نقوم بإضافة أي أطر جديدة أو وضع اللمسات الأخيرة.

نحن نعي تلك العملية التدريجية ونتقبلها في ميادين الحياة المادية والفكرية لوجود مشاهدات تؤكد ذلك، غير أننا في ميادين التطور الإنساني والتعاون الاجتماعي عادةً ما نعمد إلى الطرق المختصرة كبديل لعمليات التطور التدريجي مثل العمد إلى المصلحة قبل الأولويات، والمحاكاة دون الابتكار، والجمال الظاهر المصطنع بدلاً من الجمال الأخلاقي ومكارم الأخلاق، والشكل دون الجوهر، والتظاهر دون الكفاءة والجدارة والقدرة الحقيقية، بل إننا قد نتجاوز خطوات ضرورية في محاولة منا لاختصار الوقت والجهد، وبعد ذلك نرجو لو نجني الثمار المرغوبة.

غير أن هذا الرجاء غالباً ما يذهب سدى؛ لأنه لا سبيل إلى الأساليب المختصرة، طالما أنك تصبو إلى تنمية مهاراتك ومواهبك في الهوايات أو الخطابة وغيرها، وكذا الأمر بالنسبة لتنمية العقول والشخصيات، لا سبيل إلى الطرق المختصرة.
إن إنجاز أي أمر من أمور الدنيا لا بد أن يتم على مراحل، ولا بد أن يكون هناك عمليات نمو وتنمية متعاقبة، وعلى كل مرحلة من مراحل وخطى النمو يمكننا تطبيق مفهوم خلق الكون في ستة أيام.

أعتقد أن الإجابة عن تلك الأسئلة تبدو في غاية الوضوح، فمن المستحيل بأية حال أن ترتقي إلى المستوى الذي تريده بينما أنت تتجاهل أو تتخطى أو تختصر عملية التطور تلك، إن هذا الأمر يخالف قوانين الطبيعة نفسها، وكل محاولة منك لاختصار تلك العملية سيكون مصيرها الفشل والإحباط والتخبط، فأنا لو كان مستواي ضعيفاً في عمل ما، وأردت الارتقاء بمستواي لأصبح فيه جيداً جداً، فلا بد أن أمراً بكل مستوى أكون فيه مقبولاً أولاً، ثم جيدا، ثم جيداً جداً وهكذا، فلن تجدي الطرق الجانبية والمختصرة نفعاً، وكذا لن تجدي المظاهر ما ندعيه عن المهارة والحنكة.

وكي تتقدم في مستواك، لا بد أن تقر بحقيقة تواضع مستواك، وأن ترفض أية محاولة لتجميله، مستواك بما يخالف الحقيقة.
إذا لم يمنح الطلاب معلمهم الفرصة للوقوف على حقيقة مستوياتهم من خلال طرح أسئلة عليهم، فلن يتعلموا أبداً ولن يتطورا، كما أن التظاهر لا يمكن أن يستمر طويلاً، ففي النهاية لا بد أن ينكشف الأمر، إن الإقرار بالجهل عادة ما يكون أولى خطوات التعلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.