المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام إبراهيم الغزالي Headshot

كردستان بين الفرصة والاستقلال

تم النشر: تم التحديث:

يعتبر نزع كلمة "إقليم" من مصطلح البلدان ووضع كلمة "دولة" بدلاً عنها أمراً ليس بالهين أبداً، خاصة إذا كانت هذه البلاد هي بلاد كردستان، بلاد حلمت على مرّ التاريخ أن يكون لها صوت حر في إقامة دولة لهم، لكن لم تنجح بذلك على مرّ تاريخها النضالي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن قرارات الأمم المتحدة ومعاهداتها ومواثيقها ضمن مصطلحات القانون الدولي تبين مبدأ الشعوب في حرية تقرير مصيرها، لكن هل كردستان حرة كي تقرر مصيرها بنفسها؟

لنعرف إذا ما كانت كردستان حرة أم لا علينا أن نرسم مساراً واضحاً لهذه البقعة الجغرافية خلال السنوات الماضية القريبة على أقل تقدير؟ وحينها سنرى إن كانت بقعة أرض كردستان تستحق أن تنال لقب الحرية لتقرر مصيرها في استقلالها كدولة أم أن بقاء كلمة إقليم ستبقى ملازمة لها؟

ثم علينا أن نطّلع على تاريخ هذه الأرض؛ لنعرف أن حريتها في الاستقلال خلال الفترة الحالية هي فرصة لا تعوض، أم أنها مغامرة غير مقروءة سياسياً، وربما ستمحى فرصة إقامة الدولة الكردية إلى الأبد.

أول ملامح الحرية في إقليم كردستان قدرته على صناعة التآخي في زمن العنف؛ حيث استطاع إقليم كردستان في سنوات الحرب العجاف بين عام 2003 و2017 عام التحرير من داعش أن يصنع وبمنأى عن الحكومة المركزية بشكل خاص، والمنطقة بشكل عام، تآخياً إنسانياً بين جميع الطوائف والجنسيات، بينما لو لم يكن حراً لكان إقليماً ملازماً للمركز يأتمر بأمره، فكثرة دخول النازحين واللاجئين من أبواب كردستان ليست سوى دليل حي وواضح على حرية الحكومة في صناعة التآخي الإنساني بقرارات حازمة، بعيدة كل البعد عن الإملاءات من دول الجوار، التي كانت تتوعد تارةً وترعد تارةً أخرى، لكن دون جدوى.

الانفتاح الدولي الحرّ:

حين نتحدث عن الانفتاح الدولي، فإننا نعني بذلك القدرة على الحوار مع جميع الدول الصديقة وغير الصديقة، وهذا الأمر يرتبط وبشكل كبير بالقوة والقدرة العسكرية، فكلما استطاعت الدولة بناء مؤسسة عسكرية قوية على الأرض، تقاربت الدول من حوارها بعيداً عن لغات التصعيد السياسي، وما نراه اليوم في إقليم كردستان هو قوة عسكرية مستقلة كلياً عن أي سلطة خارج الإقليم، وهذا الأمر خلق نافذة حكومية مستقلة في حوارها مع الدول بعيداً عن التبعية مع المركز.

الإعلام والرأي:

ضمن الخمس سنوات الماضية استطاعت حكومة الإقليم صناعة أبراج إعلامية متقدمة، وذلك بفتح مسارات وخطوط صحفية مع كبرى المؤسسات العالمية، وهذا الأمر دليل على معرفة الحكومة بقدرة الإعلام على صناعة التأثير على الشارع الداخلي والخارجي للبلد، كذلك يعتبر الإقليم اليوم سوقاً إعلاميةً منفتحةً لجميع القنوات الإخبارية المؤيدة والمعارضة، وهذه النقطة تُحتسب نقطة قوة ووضوح في الرأي، بينما الأمر مختلف كلياً في بعض العواصم القريبة، حيث لا إعلام إلا إعلام السلطة، ومشاهد اغتيالات الصحفيين وإغلاق المحطات وتكميم الأفواه مشاهد كثيرة بتنا نراها كل يوم.

الاستثمارات النفطية والاقتصادية والإعمار:

استطاع إقليم كردستان أن يحقق عائدات كبرى من استثمارات النفط والاقتصاد والإعمار، وأن يترجم هذه العائدات على أرضه، وذلك بخلاف حكومة المركز التي لم تتمكن إلى اليوم من بناء سياسة اقتصادية تترجم العائدات الاقتصادية على الواقع، وملفات الفساد كثيرة وكبيرة وغنية عن الترجمة والتعريف، بالمقابل حاز الإقليم استقلالاً اقتصادياً، واستطاع خلال الخمس سنوات الماضية أن يُنشئ علاقات تجارية واسعة مع كثير من الدول، وحصيلة ذلك مهدت لافتتاح أكثر من 35 قنصلية وسفارة في أربيل، وهذه نقطة دولية تُحتسب لأربيل على حساب بغداد التي إلى اليوم لم تستطع ضبط الشارع من إرهاب السيارات المفخخة والاغتيالات الشخصية، والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن الكثير من محافظات العراق أصبحت تسعى لنقل تجربة كردستان إلى مناطقها.

ربما تطول قائمة ملامح الحرية التي يتمتع بها الإقليم، لكن يبقى أبرزها حرية التعبير التي تظهر في استفتائها حول حرية تقرير مصيرها في إقامة دولة كردية مستقلة عن المركز، وعن باقي دول الجوار، ومن يعتقد أن الحرية تُعطى دون مقابل هو إنسان واهم، فالحرية تؤخذ وبالقوة أحياناً، ومن يظن أن مرحلة ما بعد الاستقلال ستكون وردية اللون هو واهم كذلك، فالصعوبات كبيرة، والمخاطر أكبر، ولربما لن تقطف أجيال الاستقلال ثمرة ذلك، لكنهم سيكونون وبالتأكيد قد صنعوا استقلالاً لأبنائهم، خاصة أن المنطقة تمر بأصعب المراحل السياسية والعسكرية، ولربما هذه المراحل والظروف هي المناسبة لإعلان مثل هذا القرار وتطبيقه، ومواجهة صعوباته، فالقادم غامض غير محسوس، وما تستطيع إنجازه اليوم قد لا تحلم به مستقبلاً، وحرية البلاد فرصة لا تأتي كل عام.

وفي النهاية لم يستطِع شعب كردستان عبر تاريخه الطويل أن يعلن عن هذه المرحلة، لربما لم تساعده الظروف سابقاً، لكنه اليوم يُظهر حريته في تقرير مصيره، ولربما يكون هذا القرار فاتحة لرسم جغرافيا جديدة في المنطقة، جغرافيا تغير الكثير من الموازين، فالحروب التي تُدار نيابة على أرض الشرق الأوسط الموبوء هذا قد استطاعت وبشكل إيجابي أن تغير نظرتنا للأمور.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.