المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام إبراهيم الغزالي Headshot

عقدة سناب النفسية

تم النشر: تم التحديث:

صار لزاماً على مؤسسات الطب النفسي في العالم اليوم أن تبدأ بإدخال أمراض وعُقد نفسية دونية جديدة إلى أبحاثها، وأن تطرحها ضمن دراساتها الحالية، وأن تعترف هذه المؤسسات بحقيقة وجود عقد وأمراض دونية لدينا جميعاً.

ومرد هذه الأمراض هي وسائل التواصل الاجتماعي، أو أن نسميها وسائل التبادل المعلوماتي ووسائل التناقض وإخفاء الشخصية ووسائل تبادل الحالات والتنافس في عرضها، وإظهار الحالات التي نعيشها كردة فعل لما نشعر به من نقص بداخلنا إن صحَّ التعبير.

وعلى عرش هذه الحالات التبادلية يتربع تطبيق السناب شات ثم الإنستغرام مروراً بالفيس وتويتر وما إلى هنالك..

فإذا وضعنا اليوم برنامج السناب تحت مجهر الدراسات النفسية الحديثة سنرى وبصورة جلية أن أغلب مستخدمي هذا التطبيق يحاولون السباق والتسابق فيما بينهم لإظهار صورهم بالصورة التي يعانون أو كانوا يعانون منها كحالة نفسية دونية، وعند التدقيق في ما يُبث من فيديوهات وحالات لأغلب المستخدمين سنرى عجزاً نفسياً واجتماعياً بطريقة تؤثر على سلوك هؤلاء، خاصة إن كنا نتابع أحدهم على السناب، ونحن نعرفه على أرض الواقع.

فما يحدث عبر هذا التطبيق ليس سوى تجاوز تعويضي لتحقيق كينونة ذاتية تشعر بالنقص من الآخرين، أو تشعر بالتنافس في إثبات الذات للآخرين، فحالما يشعر مستخدم هذا التطبيق بوجود الآخرين وما يعرضونه عن أنفسهم تجده بات يعتني بنفسه ويحفزها على التكيف مع بيئة هذا التطبيق، ثم تبدأ لديه القوة الدافعة لتطوير نفسه بصورة مباشرة أو غير مباشرة لإظهار ذاته بالصورة التي يتخيلها حتى إن كان الأمر لا يعدو تصنُعاً وتزييفاً لواقعه.

ولنبدأ بعرض بعض الحالات التي لم تُشخص إلى الآن كأمراض نفسية أو عقد دونية رغم خطورتها:

أولى هذه الحالات (Fomo) الفومو وهو اختصار لجملة "Fear of missing out" الخوف من المفقودين، ويمكن تحديد هذه الحالة لمستخدمي الفيسبوك والسناب حين يشعر المستخدم بالقلق حيال عدم وجود متابعين أو أي حدث جديد، ويشعر أنه بات يفقد أصدقاءه، فيبدأ البحث عما هو جديد ليعيد نفسه إلى وضعها الطبيعي من وجهة نظر التطبيق طبعاً.

الحالة الثانية التي يجب أن تدخل ضمن حالات أمراض النفس "الرنين الوهمي"، وذلك حين نتمسك بالهاتف الذكي بصورة كبيرة، ونبدأ بسماع نغمات الرنين بين الفينة والأخرى وهمياً، وكأن جميع علاقاتنا الحقيقة هي داخل هذا الجهاز فقط، فمن يطرق باب جهازنا واجب علينا أن نفتح له، ونضع له الإعجاب، أو أن نرد على تعليقه.

الحالة الثالثة التي يجب أن تُشخص كمرض نفسي كذلك حالة "أين جوالي؟" أو الخوف من فقدان الهاتف، فهو يخشى ضياع هاتفه ليس لقيمته المالية لا بل لما يحويه من أرقام وأشخاص وصور وحالات، وقد تصل درجة مَن يفقد هاتفه درجة الضياع من المجتمع وكأنه تاه في صحراء مترامية الأطراف لا يعرف أين هو ولا من أين يبدأ.

الحالة التالية وليست الأخيرة التي يجب أن تُشخص كحالة نفسية حالة "ماذا أنشر اليوم؟"، فمادة النشر التي يبثها هذا المستخدم عبر السناب أو غيره ليست مادة نافعة أو علمية أو مادة خبرية وما إلى هنالك.. إنها ليست إلا تصوراً وتصويراً لذاته، ماذا يأكل.. ماذا يلبس.. ماذا سيشتري.. ماذا يفعل؟ والأخطر من هذا كله أن مستخدمي تطبيق "السناب" باتوا تحت تأثير التجاذب المغناطيسي فيما بينهم فهم يرتادون الحفلة والمطعم فقط من أجل تصوير حالتهم، وهم يسافرون ويشترون الأشياء الثمينة فقط ليظهروا للآخرين أنهم على قيد الحياة بين سباق التسلح، تسلح بفيديو وصورة لا تنم إلا عن نقص بات يغزو أنفسنا وشخصيتنا وحالتنا.

وجل ما أخشاه حقيقة أن ندخل غداً بوتقة الانسياب الجمعي لقطيع الخراف المجتمعي، أي أن يصبح رواد السناب وباقي تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي بهذه الصورة هم الأصّحاء مجتمعياً، بحالاتهم وصورهم وأشكالهم، ويصبح المنزوون عن هذه التطبيقات هم أصحاب أمراض الانطواء النفسي المجتمعي.

وجّل ما أخشاه كذلك أن نصل إلى نهر جنون توفيق الحكيم، فمن شرب قد جُنَّ، ومن لم يشرب فهو المجنون.

وفي النهاية لا يجب أن نلوم مخترعي هذه التطبيقات، فهي من جانب آخر تحمل الفائدة الحقيقية وتحمل سهولة التواصل الفعلي، وتحمل نقل الأحداث والثقافات المجتمعية، أما ما نحن عليه ليس سوى نتاج ثقافة مزيفة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.