المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام إبراهيم الغزالي Headshot

رسم الصورة الذهنية

تم النشر: تم التحديث:

اليوم ما زالت طرق رسم الصور الذهنية تجد انتشاراً في أدمغتنا وحياتنا اليومية.. وما زال الآخرون المتقدمون علينا معرفة وعلماً سيكولوجياً يتفننون بطرق رسم هذه الصور بداخلنا؛ لتكون المحرك والموجه لتصرفاتنا مستقبلاً، فهم يعرفون ماذا يريدون من العالم مستقبلاً، ونحن لا ندري ماذا يُفعل بنا حالياً.

فقوانين رسم الصور الذهنية للمجتمعات النامية والمتخلفة فكرياً وعلمياً بات وللأسف سلاحاً فتاكاً وذا تأثير عظيم على الطريقة التي يجب أن نكون عليها مستقبلاً.

ليس هذا فحسب، بل بات الأمر أكثر شناعة؛ إذ إن هذه الصور والقناعات التي حصلنا عليها باتت تسيير الأحداث لصالحهم، وصار بإمكانهم خلق ما يريدونه فينا.

ومن آليات وطرق صناعة الصور الذهنية ما يسمى بمصطلح "توجيه الفكر الجمعي للمجتمعات ضمن فضاء الاحتمالات"، وهي طريقة من بين الطرق التي تستخدمها الدول المتقدمة لجذب الانتباه وتسييره.

يتم الأمر بداية من خلال طرح مخططاتهم المستقبلية كصور وألعاب وبرامج وتطبيقات، ثم من خلال أفلام ومسلسلات يتابعها الملايين حول العالم، وكل شخص يشاهد هذا الفيلم أو ذاك المسلسل يصبح ذهنه تحت سيطرة ما يشاهد، خاصة أن دماغنا يستسلم لما يرى، ويأخذ بتحليل ما يصله، وهذا الأمر يصنع بداخلنا عنصرين هدامين:

العنصر الأول هو أن دماغنا اعتاد على تحليل ما يرى، وليس على ابتكار ما يتخيل، فكلما شاهدنا أكثر، صار عقلنا أداة استقبال وتحليل، وليس أداة تخيل وإنتاج.

أما العنصر الثاني الهادم فهو وقوع عقولنا تحت تأثير ما يرى، وما يراه ليس سوى معادلة مصنوعة لجعلنا ندخل جميعاً ضمن بوتقة التفكير الجمعي العام.. فنحن كمجتمعات نامية نتفق ونتوحد فيما نراه، وشيئاً فشيئاً بتنا تحت سيطرة ما نشاهد كمجتمع، إذاً صار تفكيرنا جمعياً موحداً، وبالتالي فإن جميع ردات فعلنا ستكون واحدة، وبما أن الآخر هو من صنع بداخلنا هذا التفكير الجمعي فبإمكانه الآن قيادتنا بالشكل الذي يراه مناسباً.

فكل مشهد من المشاهد التي يقع عليها بصرنا من خلال الأفلام والمسلسلات أو التطبيقات والألعاب على هواتفنا الذكية ليس سوى شرارة تدخل إلى وعينا وتوحدنا بطرق التفكير والمشاعر، وما إلى هنالك، وعندها يتم توجيهنا بطريقة وعي الملايين أو التفكير الجمعي تجاه فكرة محددة ومضبوطة بدقة عالية، وهنا تجتمع أفكارنا وتتراكم ضمن فضاء الاحتمالات المدروسة والمعروفة.

والأمر يتطابق كذلك مع تطبيقات ألعاب الهواتف الذكية، خاصة تلك التي تحتوي على حرب النجوم، وحرب الروبوتات، وحرب المدن والشوارع.. إلخ.

إننا اليوم حصيلة ما زُرع بالأمس فينا، نتقاتل ونتصالح ونبني ونهدم ونفكر ونحب ونكره ضمن بوتقة مُسيرة عن بعد.

فالحرب في أفغانستان لم تبدأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بل بدأت منذ ظهور لعبة "جيش دلتا" عام 1992 وانتشارها في كل العالم.

وغزو العراق لم يبدأ عام 2003 بل عندما ظهرت لعبة "كاونتر سترايك" عام 1997 وعند ظهور أفلام مثل The Devils Double الشياطين المزدوجة عام 1999 والعديد من الأفلام في التسعينات، التي تحدثت عن الجمرة الخبيثة والعم صدام والسلاح النووي.. إلخ.

ما زلنا اليوم تحت تأثير المخدر الجمعي، المخدر الذي نتعاطاه كل يوم نحن وأطفالنا دون أن ندري ماذا يُزرع في عقلنا اللاواعي، وكما يُقال: من السهل على الإنسان الطبيعي معرفة ما قد يفعله الإنسان المدمن.


ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.