المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام أبو حامد Headshot

مَجازُنا وما تبقى لنا

تم النشر: تم التحديث:

مضى أفلاطون في طريق الشعر، قبل أن يتبع طريق اللوغس ويعتلي عرش الفلسفة. وانتهى به الأمر، أن يرفض توسل الفلسفة بالخطاب الشعري، كما كانت عليه حالها في مرحلة ما قبل سقراط.

وبدا التناقض لديه بين العقل والمخيلة على أشده، حيث وجد أن الفنانين تجّار أوهام، وأن العقل وحده قادر على بلوغ الحقيقة (القيم أو المثل المطلقة). أما الفن/الوجدان، فإنه حين يحاكي الواقع يشوّه المشوّه. لذلك تجرأ على وضع الفنانين، والشعراء على رأسهم، خارج أسوار المدينة الفاضلة. هؤلاء الشعراء، أو الفلاسفة الذين ضلوا طريقهم، حسب تعبير هايدغر، لا مكان لهم في مدينة أفلاطون المحتكمة إلى العقل، ولا حاجة لهم في تحصيل السعادة.

ومع أننا لا نتفق مع الموقف الأفلاطوني المتطرف بحق الشعراء، إلا إنه لا يمكننا تجاوز حقيقة التعارض بين العقل والوجدان. فالعقل فضاء للأفكار، و هو حركة وانتقال دائمين، من حكم إلى آخر، ومن مقدمات إلى نتائج، ومن معلوم إلى مجهول. يبحث العقل عن الوحدة خلف الكثرة، وعن العلاقات السببية بين الأشياء، ليرى الواقع من خلال العلاقة بين ظواهره (القانون) وفي انتظامه وتجانسه. أما الشعر فضاء تتداعى فيه الغرائز والعواطف والانفعالات، ويبدو فيه العالم ومضات، لحظات، كثرة من الأشياء التي لا يجمعها قانون ناظم بل مصادفة وتلقائية، فيسود الوصف ويغيب التفسير.

استمرت هيمنة الشعر على الثقافة العربية، حتى في العصور التي لعب فيها الاقتصاد القائم على الفتوحات دورًا هامًّا في ازدهار المدينة العربية، التي شهدت تطور أجناس أدبية أخرى، كالنثر بإشكاله، عبّرت بدورها عن الانتقال من البداوة إلى الحضارة، ناهيك بالتطور المادي والعلمي الذي بدا في أوجه. وقد عبر الجاحظ (ق3هـ)،عن التوجه لتكريس الشعر سيدًا، في رسالته عن مناقب الترك حين رأى أن العرب " قد وجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتثقيف اللغة، وتصاريف الكلام".

وما تزال أجناس الثقافة الأدبية المختلفة، لا سيما الشعر، مهيمنة على المشهد الثقافي العربي، إنتاجًا واستهلاكًا. ولسنا بحاجة إلى كثير عناء حتى نلاحظ كم تنعكس شعريتنا وشاعريتنا في رؤيتنا للعالم وسلوكنا فيه. فما زلنا مسكونين باللغة على حساب معالجة الواقع، وبجمالية اللفظ وبلاغة العبارة على حساب الدلالة ودقة المعنى. لذا يغيب العقل الوضعي لصالح سيادة العقل القِيَمِي، ويغيب الاستدلال لصالح الحدس، والشك لصالح الوثوق. وبدل أن نفهم الواقع موضوعيًّا لتغييره والتأثير فيه، نضفي عليه عواطفنا وننتظر أن يمتثل لرغباتنا، فتغدو الحقيقة ذاتية متلونة وفق مقتضيات الأمزجة وجريان الأحوال.

وبغض النظر عن مدى جودة كل ما ينتج على أنه شعر، فإننا نتساءل: من أين لنا هذا الكم الهائل من الشعر والشعراء؟ أليس لأننا عاطفيون أكثر مما يلزم؟ أليس ذلك سببًا كافيًا لتأول سياستنا فنونًا في الخطابة، وقضايانا ضربًا من حماسة، وتعليمنا إلقاء وحفظًا، وعلومنا لغة وفقهًا، واقتصادنا بركة وتوكلًا، وتُبنى مواقفنا من النظرة الأولى حبًّا وكرهًا؟ وإذا كان جلّنا شعراء فمن أين لنا بالعلماء؟

لا يعني ذلك أننا نتبنى موقفًا سلبيًّا من الشعر في حد ذاته، بوصفه أحد أشكال التعبير والإبداع الإنسانيين، وأحد الأجناس الثقافية والتنويرية. وربما كان لمعظمنا محاولاته الشعرية، لا سيما في مراحل الصبا والمراهقة، عبر من خلالها عن عواطفه وانفعالاته المتنوعة من حزن وشوق وهيام وغيرها، لكن أدركنا مبكرًا أيضًا، أن التعبير عما يختلج صدورنا وقراءة ما يدغدغ عواطفنا، لا يكفي لمعالجة قضايانا ومشكلاتنا اليومية. وهي حالنا اليوم مع همّنا الثقافي العام، حين يتعلق الأمر بقضايانا ومشكلاتنا الكبرى العالقة والمعلقة.

لا شك أن الشعر والفن عمومًا أحد أشكال الوعي، لكن أن يُختزل وعينا شعرًا وفنًّا فتلك هي المشكلة. و إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه حتى وقت قريب كانت حصة الفرد العربي من القراءة (6) دقائق سنويًّا، وإذا كان معظم ما ينتج ويقرأ عربيًّا، هو الأدب والشعر، فأي حيز بقي لإنتاجنا المعرفي الفكري والعلمي؟ وكأنك أمام "رسالة الغفران" لصاحبها أبي العلاء المعري، وقد تجسدت واقعًا، حيث لا تجد عند أهل الجنة ولا عند أهل النار وما بينهما، سوى الشعر قرضًا وتداولًا، ولا تكاد تجد بين كل هؤلاء وأولئك من هم أصحاب علم أو سياسة.

هل أنجزنا ما يكفي في مستوى الدلالة الحقيقية لنغرق حتى الأذنين إنتاجًا واستهلاكًا في الدلالة المجازية وما فيها من فائض في السرد والمحسنات والمفردات؟ ألم يقل النفّري يومًا: "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة"؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.