المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام أبو حامد Headshot

لو كانت الحياة امرأة..

تم النشر: تم التحديث:

رأى هيغل أن النساء قادرات على التعلم، لكنهن لسن مؤهلات لنشاطات تتطلب قدرة شاملة، كالعلوم المتقدمة والفلسفة. فالنساء لا ينظمن "أعمالهن حسب متطلبات شاملة، ولكن بناء على رغبات وآراء اعتباطية".

وحين تدير المرأة ظهرها للفلسفة، فإنها لا تفعل إلا بقدر تلك الميزوجينية الفلسفية، منذ أكزنوفان، الذي رأى فيها فظاعة تفوق كل فظائع البر والبحر، مرورًا بأرسطو، الذي اعتبرها أداة إنتاج، وصولًا إلى النظرة الفوقية تجاهها، كما برزت في الفلسفة الغربية الحديثة.

شوبنهور المتشائم دومًا، لم يكن أقل تشاؤمًا حيال المرأة. بل إن وصفها بـ" الجنس اللطيف" في حد ذاته، يثير حفيظته، فيتعبره تنحية للعقل لصالح تشويش الغريزة الطاغية. فما تتمتع به من سحر وجمال، ما هو إلا "لزوم المسرح" الذي به تبحث عن رجل يتعهدها بالرعاية بقية حياتها، فهي تعلم أن ذاك السحر لن يدوم إلا سنوات قليلة. وهو أمر ما كان ليقبله رجل لو فكر تفكيرًا منطقيًّا. تمارس الطبيعة اقتصادها المعهود على المرأة، وكما تفقد أنثى النمل جناحيها بعد موسم التزاوج، تفقد المرأة جمالها بعد حمل أو اثنين. وبرأيه، تفتقد مشاعر المرأة إلى العدل، فتغيب عنها فضيلة أساسية. وبحكم ضعفها، فإن الكذب والحيلة والقدرة على التمثيل وإخفاء المشاعر هي وسائلها، سواء تمتعت بالذكاء، أو كانت أكثرهن غباء. صحيح أن المرأة تنضج قبل الرجل، لكن كلما كان الشيء أنبل وأكثر كمالًا، كلما نضج ببطء. لذا، يسوس العقل الرجل، فيجعله يفكر بالماضي والمستقبل ليتحمل مسؤوليات الحياة ومتاعبها وقلقها، بينما تنساب حياة المرأة بهدوء ورقة وتفاهة أكثر مما يطيقها الرجل، فتبقى طفلة طيلة حياتها، لا ترى إلا ما هو قريب جدًّا منها. ومن الحكمة، أحيانًا، أن يستشير الرجل المرأة، طالما استطاعت القبض على أقصر الطرق إلى الهدف المنشود، وعلى ما هو في متناول اليد، والذي يغيب عن نظر الرجل، مع أنه ماثل أمام أنفه. ولا يخبرنا شوبنهاور لم لا يعتبر فقدان الرجل عقله أمام المرأة طبعًا متأصلًا فيه. ألم يقبّل هو قدميْ حبيبته كي تبقى إلى جانبه؟

تزوج أرسطو ثانية بعد وفاة زوجته الأولى، وبالرغم من آرائه التي هيمنت قرونًا ووجدت صداها عند القديس توما الإكويني وربما روسّو، فأسهمت في تكريس دونية المرأة، فقد عامل كلتا زوجيه بدلال قل نظيره. أما شوبنهور، الحاقد على من خذلنه من نساء، وعلى أُمّ لم تعترف بعبقريته، ولم تكن وفية لذكرى والده المُتوَفّى، فقد خلّد نفسه الفيلسوف الأكثر تشاؤمًا وميزوجينية. فهل ينبغي الذهاب دائمًا مع المثل الفرنسي "فتش عن المرأة"، أم هي المرأة/ الحياة كما خبرها شوبنهاور؟

ترى دي بوفوار، أن الشخص لا يولد امرأة، بل يصبح كذلك بفعل التأثيرات الاجتماعية. فالأنوثة نموذج مفبرك مصطنع خرج من الحضارة الذكورية. تعرف المرأة القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، لكن حتى الآن لم تجابه النساء قيم الرجال بقيم أنثوية. آراء بوفوار في كتابها الشهير "الجنس الآخر" (1949)، دفعت زميلها الوجودي ألبير كامو أن يصف الكتاب بأنه "عار يدنس شرف الرجل الفرنسي". لكن بوفوار صدمت الحركة النسائية حين كتبت إلى نيلسون ألغرين" إني مستعدة أن أطبخ لك يوميًّا، وأن أكنس المنزل، وأغسل الصحون، أريد أن أكون لك زوجة عربية مطيعة".

تطمئن جيرمن غرير لما تثيره النساء من ضجة وسخط، فهذا دليل على أنهن في الاتجاه الصحيح. لكنها تحذر كل امرأة تستعبدها فكرة المحافظة على نفسها جميلة، وأن تطبخ لزوجها أكلاته المفضلة، وأن تكون صديقته الوحيدة بتشجيعه على رفض رأي الآخرين، حتى لا يجد الثقة إلا بين ذراعيها، هذه المرأة، تربط زوجها بأطواق من الفولاذ ستخنقهما معًا.

تدعو غرير في كتابها "The Female Eunuch" (1970) إلى الشك في الفرضيات الأساسية حول ما هي الحالة التي تعتبر فيها النساء سويات، طالما لم يكن للتحليل النفسي أم، ولم يكن فرويد والده الوحيد، وعومل بالإجلال ذاته الذي تعامل به العلوم، رغم أنه لا يعدو نوعًا من المتيافيزيقا. والأهم هو فهم الكيفية التي تنحرف بها طاقات النساء بانتظام، منذ الولادة حتى البلوغ. ربما تملك النساء وفرة من الطاقة الهدامة، لكن قلة تدرك أن هذه الطاقة ما هي إلا إبداع انقلب على نفسه بفعل الإحباط الدائم.

لكن الفرص التي أتيحت للنساء تفوق رغباتهن بالاستفادة منها. فغرير مقتنعة بأن القفص قد فتح، لكن الكناري يرفض الطيران. صحيح أن الرجال يقاومون تحرير المرأة، لأن ذلك يهدد أسس النرجسية الذكورية، لكن ينبغي الحذر من الانتقام غير الواعي الذي يجد نظائره في العصيان النسائي الأكثر تنظيمًا، من حيث أنه يسعى إلى وسم الرجال بالأعداء، فبقدر ما تطلب تلك الحركات الحرية من الرجال، أو تجبرهن على منح الحرية، فإنها تؤيد الجفاء بين الجنسين واتكال النساء على الرجال. فالمرأة التي تقبل طريقًا في الحياة لم تختره عن معرفة، هي حقًّا غير مسؤولة، فلا يمكن التنازل عن الفهم الأخلاقي وتحمّل جرائم ضد الإنسانية وأن تترك كل شيء لشخص آخر حتى لو كان حاسوبًا. وتنبه غرير إلى أن ما يلقيه الاضطهاد على كاهل المرأة ليس مسؤولية، بل هو شعور بالذنب. وقد لا تجد المرأة مخططًا للمدينة الفاضلة، ولكن يمكنها أن تبدأ، لا بتغيير العالم بل بإعادة تقييم ذاتها. فهدف غرير تحرير المرأة، لا مساواتها بالرجل.

في كل حال، ستبقى عبارة شوبنهور الشهيرة: "لو كانت الحياة امرأة.. لهربت منها"، لسان حال كل عاشق سيء الحظ، وهم كثر. ولكن، هل من مهرب؟

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع