المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين الهاروني Headshot

الانظمة السياسية ومصالح الشعوب

تم النشر: تم التحديث:

تتعدد أنواع وأشكال الأنظمة السياسية وتتفاوت في مدى شرعية وجودها، وتتفاوت أيضاً أسباب اكتسابها لشرعيتها، وهذا بحث آخر، وكذلك تتعدد وتختلف قضايا الشعوب ومصالحها، فمنها ما يتعلق بالأمن المجتمعي وأمن المواطن داخل البلاد وخارجها والقضايا الاقتصادية، وقضايا التعليم والأديان وقضايا وطنية كأراضٍ محتلة أو التبعية والسيادة وغيرها الكثير.

ما يهمني في هذا المقال هو الحديث عما تريده الشعوب من الأنظمة ومدى قدرة هذه الأنظمة على فصل قضايا ومصالح الشعوب عن هاجس أمن الأنظمة، وهاجس استمرارها في السلطة، وهو الأمر الذي لم ينجح فيه أي نظام حكم عربي في المائة سنة الأخيرة، مما كان سبباً مباشراً للثورات.

بالتأكيد النزاعات على السلطة قائمة، خصوصاً حين تكون الأنظمة غير شرعية، أو لا تحظى بدعم شعوبها، وهذا يتطلب من الأنظمة ملاحقة معارضيها، مع التأكيد طبعاً على عدم شرعية هذا الفعل، ومثل هذا الهاجس الأمني يجعل الأنظمة تنغلق على الشعوب، وتجعل الإجراءات الأمنية على الحدود بين البلدان ضرباً من العذابات والأشغال الشاقة.

فمن أجل بعض المعارضين لهذا النظام أو ذاك تتحمل كل الشعوب هذه العذابات حتى يصبح في بعض الأحيان إدخال شاحنة مواد غذائية يحتاج إلى أسابيع على الحدود، وكثير من المعاملات الورقية والروتين بين بلد عربي وآخر، وقد تصل الشحنات فاسدة للبلد المقصود، وهذا كثيراً ما يحدث، وقِس على ذلك كل المعاملات التجارية والمواد الأولية والصناعية ورغيف الخبز، مما يجعل من المستحيل أن تعتمد صناعة في بلد على مادة أولية في بلد آخر، أو ترتبط صناعة بصناعة في بلد آخر؛ لتكمل إحداهما أو لترفد إحداهما الأخرى.

وأي نزاع بين نظامين سياسيين تكون نتيجته الطبيعية إغلاق الحدود بينهما وإقامة الأسلاك الشائكة والأسوار دون أية مراعاة لمصالح الشعوب.

وكذلك في المسألة التعليمية والثقافية والمطبوعات، فإن أي نزاع بين نظامين يمنع وصول أية مطبوعات أو أي تواصل علمي أو ثقافي بين البلدين دون أية مراعاة لمصالح المجتمع في البلدين، أما في الواقع السياسي فحدّث ولا حرّج، فكمثال قد يكون المجتمع نبضه مع جهة سياسية أو قيادة ما خارج البلاد أو داخلها في شكل من أشكال التعاطف الوجداني فقط، بينما تتعارض السلطة مع تلك الجهة، فتبدأ قصة التضييق والملاحقة على كل من يؤيد تلك الجهة مع أنها جهة مدنية، وتأييدهم لها مسألة شعور قومي أو ديني أو أخلاقي، وليس فيها أية معارضة للنظام السياسي في هذا البلد سياسياً أو عسكرياً، ولا تشكل أي خطر أمني.

وضيق الأفق هذا يؤدي للتعسف والاعتقالات، فيصبح النظام السياسي وصياً حتى على ضمير المجتمع، ويجب أن يخضع ضمير المجتمع لهذا النظام، وتبدأ قصة التطويع بالقوة، فتؤدي للكوارث والويلات والسقوط الأخلاقي للأنظمة.

وكذلك يصبح كل من يقول وجهة نظر تخالف وجهة نظر النظام السياسي في أية قضية وطنية هو عدو واجب المحاربة مع أن الأنظمة تقوم بكثير من الأعمال التي تعارض إرادة شعوبها، وتصل لدرجة أن تبني بعض علاقاتها مع أعداء شعوبها، وتتجاوز الشعوب هذه الأفعال لأسباب مختلفة، لكن الأنظمة لا تفعل.

وأيضاً البنى التحتية المعطلة فمثلاً عام 1918 انطلق الخط الحديدي الحجازي الذي يربط عشرات المدن العربية من حلب إلى دمشق إلى درعا إلى الحمة إلى القدس إلى عمان إلى المدينة المنورة وغيرها، وبعد قيام سايكس - بيكو تم وقفه وإنهاء المشروع، وهو مشروع يفترض أنه لخدمة الشعوب، ويجب ألا يخضع للعلاقات السياسية بين الأنظمة الحاكمة وكذلك انعدام الطرق البرية أو ضآلتها بين البلدان، وعدم وجود نقل عام كالقطارات قادر على المساهمة في نهوض الصناعة والتجارة والتبادل، وكل ما يمنع قيامه هو مصلحة بقاء النظام السياسي وهاجسه الأمني.

وكذلك المطارات وحاجة الإنسان لتأشيرة الدخول بين بلد وآخر بأسلوب شديد التعقيد والإجراءات، حتى يصبح في بعض الأحيان ضرباً من المستحيل، وكل هذا يعود للهاجس الأمني، فيتضرر ملايين البشر بسبب بضع عشرات من معارضي السلطة.

وهكذا فإن التفاصيل كثيرة، فمثلاً الأراضي بور من محيطها إلى خليجها، مع حاجة الشعوب للزراعة والغذاء والعمران والصناعة والتطوير، وكل ذلك بسبب السلطات السياسية، بينما هناك قوة بشرية عربية هائلة قادرة على إحيائها في الزراعة والصناعة والتكامل التجاري، لو تم تغاضي الأنظمة عن بعض ترفها الأمني، وفصل مصالح شعوبها وقضاياها عن هاجس السلطة.

ومما سبق يمكن استخلاص ما يلي:

إن من أول وأهم أسباب تخلف منطقتنا العربية من كل النواحي وأسباب القلاقل والثورات والحروب والقصور الحضاري والعسكري تتحملها الأنظمة السياسية بدون أي تحامل أو غبن، وإن الأنظمة ارتكبت وما زالت ترتكب الظلم بحق الشعوب، وجعلت من هاجسها الأمني وخوفها من بعض معارضيها سبباً لكبح كل طموحات الشعوب، ووقف حركة تقدم وتطور المجتمع، ومنعت قيام منظمات مجتمع مدني فاعلة، وربطت كل البلاد بأمن السلطة، وقمعت كل صوت ينادي بالإصلاح، سواء حمل غصن الزيتون أو الحمام الأبيض.

ومن هنا فإنني أعتقد أن بقاء أي نظام سياسي مرتبط بتخليه عن عنجهية التسلط والقمع ونظرة استملاك البلاد والعباد، وعدم اعتبار المواطن مصدراً لدخل السلطة والاتجار به، بل إيجاد الموارد الصناعية والتجارية والزراعية والتخفيف عن كاهل الإنسان، والفصل بين مصلحة استمراره وأمنه وبين مصالح الشعوب عامة، الشعوب وليس شعب بلده فحسب، والتخلي عن محاولة استخدام السلاح والتكنولوجيا لقمع شعبه، والتجسس عليه، ففي الأزمنة القادمة هذه الوسائل ستصبح لا قيمة لها، وسيصبح كسر حركة الشعوب أمراً مستحيلاً، والبقاء لأي نظام سياسي قطعاً هو الإصلاح الحقيقي، والتصالح مع الشعوب وليس بالألاعيب والأقنعة والمناورات التي اعتادوا عليها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.