المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام شاكر Headshot

غرقى على تخوم أوروبا

تم النشر: تم التحديث:

ما لم تتعايش أوروبا مع ظاهرة التدفقات البشرية المتزايدة فستبقى أسيرة أوهامها وعجزها عن التعامل مع الواقع.

يغرق البشر خلال الإبحار أو يختنقون جماعياً داخل شاحنات، بما يرسم مشهداً مأساوياً متعاظماً في أرجاء أوروبا يعلن انهيار الشعارات وإخفاق السياسات. يبيت اللاجئون في العراء في قلب القارة، وترتبك السلطات في استيعاب الباحثين عن الملجأ والحماية، رغم أنّ أعدادهم تدنو بكثير عن الملايين الذين استقبلتهم دول الجوار السوري، فاللاجئ يتحول إلى حبة كستناء ساخنة تتقاذفها الأيدي بمعزل عن اعتبار كرامته الإنسانية.
يعجز صانعو السياسات في القارة الموحدة عن التعامل مع الموقف لأنهم يكتفون بمعالجات جزئية دون أن يصارحوا أنفسهم وشعوبهم بالحقائق.

أما الاجتماعات والقمم الأوروبية، وآخرها مؤتمر دول غرب البلقان في فيينا، فلا تنشغل أساساً بمعالجة قضية اللجوء ذاتها بل تنهمك بالسعي إلى التوافق بين الشركاء الأوروبيين على آليات متناغمة في التعامل مع المجريات. يشمل ذلك "التوزيع العادل" للاجئين وقطع الطريق على تعارض الإجراءات بين شركاء القارة الموحدة في التعامل مع القضية، فضلاً عن كبح جماح شبكات التهريب.

يواصل المسؤولون الأوروبيون هوايتهم في التصعيد اللفظي ضد شبكات التسلل، لكنهم يتجاهلون مسؤولياتهم عن الفواجع المتعاقبة. فما الذي يدفع واحداً وسبعين شخصاً ومن بينهم نساء وأطفال للتكدس في شاحنة تبريد في قلب أوروبا؛ سوى تلك الإجراءات الخرقاء في استقبال اللاجئين؟

ستبقى وقائع الاختناق الجماعي في قلب أوروبا أفصح من البلاغات الصحفية التي يدلي بها متحدثو أوروبا عن سياساتهم وإجراءاتهم للتعامل مع الموقف، فالحقيقة أنّ تلك السياسات والإجراءات هي التي أوقعت الباحثين عن الملاذ الآمن في قبضة سماسرة الأرواح. أما الدول التي تمر عبرها أفواج اللاجئين فما يشغلها هو تيسير عبورهم إلى أعماق أوروبا كي لا يتكدسوا لديها، وتنسج حكوماتها الذرائع للحصول على مساعدات سخية من الاتحاد الأوروبي لقاء تحسين شروط التعامل مع تجمعات اللاجئين فيها.

وكلما شددت السلطات الأوروبية إجراءاتها الحدودية لكبح التدفقات البشرية فإنها تزيد بذلك من المخاطر التي يواجهها المتسللون، بما يرفع مؤشرات الضحايا ويزيد من منسوب الفواجع. ولو تم الحد من أعداد طالبي اللجوء بالفعل، فسيعني ذلك تكديس البشر في بلدان مثل المغرب وتونس وجنوب شرق أوروبا مع تفجيرات اجتماعية محتملة فيها، وقد تفاعلت بدايات ذلك في شوارع اليونان ومقدونيا.

وما زالت أوروبا الموحدة تتباهى بشعارات جوفاء، فما معنى "سياسة الجوار" مثلاً عندما يحترق "الجوار" ويدفع بشعوبه في مغامرات الانتحار الجماعي بحثاً عن ملاذات آمنة؟ وما قيمة "الشراكة الأوروبية المتوسطية" عندما يغرق الآلاف في أعماق المتوسط دون "شراكة" توقف المأساة المتعاظمة؟ وأي جدوى لسياسات "التعاون الإنمائي" عندما تنهار التنمية ذاتها وتتحول المساعدات إلى عقاقير مسكنة لا تعين على مواجهة المعضلات المتفاقمة؟

لم تحرك أوروبا ساكناً في مواجهة الحروب والأزمات والاستبداد العسكري في جوارها الجنوبي، كما تراخت في الاستجابة لمعضلات الفقر والجفاف التي اجتاحت أقاليم واسعة، وسمحت بانهيار "الأهداف الإنمائية للألفية" التي شاركت في صياغتها في الأروقة الدولية، بينما اندفعت لإنقاذ اليونان وحدها بمئات المليارات خشية على "اليورو". وبهذا فإنّ ما تشهده أوروبا اليوم من تدفقات بشرية هو نتيجة منطقية تماماً للواقع القائم في الجوار الأوروبي وفي العالم الفسيح، فمن بوسعه العيش في زمن العولمة بمعزل عن أزمات البلدان الأخرى والهموم التي تجتاح ملايين البشر بفعل المآسي والكوارث والنكبات؟!

وها هي التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية تفرض انزياحاً سكانياً من منطقة إلى أخرى حول العالم، وهذا لا يجري مع أوروبا وحدها. فظاهرة النزوح إلى الشمال تتساوق مع تفاعلات أوسع، منها هجرة الريف إلى المدينة، وانتقال السكان من بلدان إلى أخرى لتحسين المستوى المعيشي أو تحقيق الفرص الموعودة، علاوة على أثر العوامل الطاردة بفعل الحروب والأزمات والكوارث.

إنها مؤشرات متصاعدة ولا أمل بتضاؤلها، إذ يكفي بلغة الديموغرافيا أن تُضاف إلى سكان باكستان مائة وخمسين مليون نسمة، وأن يتنامى سكان الهند المجاورة بمئات أخرى من الملايين، وأن تتضخم نيجيريا وحدها إلى ثلاثمائة مليون، وأن تقفز أفريقيا إلى أربعة مليارات ونصف المليار نسمة، حسب تقديرات الأمم المتحدة للمؤشرات التي سينتهي إليها القرن الجاري. سيفرض هذا الصعود الديموغرافي ضغوطاً على الموارد وتفاقماً للتوترات الاقتصادية والاجتماعية الطاردة للسكان. لكنّ أوروبا ستفقد خلال ذلك مائة مليون من سكانها على ما يبدو، وستتخلى ألمانيا عن ثلث تعدادها الراهن، طبقاً للمؤشرات الأممية ذاتها.

لكنّ تناول مسألة الهجرة بالمنطق التاريخي يظل مقاربة معقولة أيضاً. لقد قصدت أفواج الأوروبيين العالم الجديد عبر القرون الأخيرة بحثاً عن فرصها، واستقرت أفواج منهم في بلدان الجنوب خلال العهد الاستعماري في أوسع عملية نهب واستنزاف عبر التاريخ، وها هي البلدان ذاتها تتحول بعد إعلانات الاستقلال إلى منابع للهجرة "المعاكسة" واللجوء إلى أوروبا. إنه انعكاس نسبي للماضي أو "استدارة تاريخية عادلة" تقريباً.

لكنّ أوروبا التي يصادفها أحدهم في النقاط الحدودية أو مخافر الشرطة أو مراكز الإيواء أو أرصفة الشوارع لا تتطابق مع الحلم الأوروبي الذي داعب المخيلات. أما الغابات الأوروبية الخضراء فليست مواقع للنزهة والتخييم بل هي مسرح لمطاردات الأمن أو للتيه الموحش برفقة مهربين جشعين. تقطعت بهم السبل ومضوا يحملون نفوسهم المنكسرة وأمعاءهم الخاوية وهياكلهم العظمية، ثم اكتشف بعضهم أوروبا موحشة تعلو فيها نبرة الكراهية والضغينة والتنكر لحقوق الإنسان.

تحتاج أوروبا إلى قسط من النقد الذاتي لتراجع سياساتها مع اللاجئين والمهاجرين، وإلى تعديلات جوهرية في منطقها في التعامل مع الواقع العالمي الذي يفرض هذا الاندفاع البشري، وعليها أن تحذر في الوقت ذاته من الوقوع في قبضة المخاوف البدائية والحمى العنصرية التي يلمع بريقها في المواسم الانتخابية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.