المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام شاكر Headshot

سقف زجاجي يعيق صعود المسلمين في الحياة الأوروبية

تم النشر: تم التحديث:

yasri khan
يسري خان عضو حزب الخضر السويدي المستقيل

كان يسري خان سياسياً من الحزب السويدي الأخضر قدم استقالته في أبريل/نيسان بعد زوبعة إعلامية قامت إثر رفضه مصافحة صحفية امرأة. جاءت استقالته بعد انتقادات وجهها له أعضاء حزبه حيث اشتكى خان وهو الأمين العام لمنظمة "مسلمون سويديون مع السلام والعدالة" من تعرضه للعنصرية والإسلاموفوبيا.

mehmet kaplan
محمد كابلان وزير الإسكان السويدي المستقيل

وقبل أيام من ذلك كان وزير الإسكان وتكنولوجيا المعلومات السويدي محمد كابلان قد اتهم هو الآخر بالتقرب من المنظمات التركية الوطنية فأجبر هو الآخر على ترك منصبه.

هذان المثالان هما غيض من فيض يشير إلى جو من العداوة والريبة التي تواجه جيلاً من المسلمين الأوروبيين على الساحة العامة.

يرمز "السقف الزجاجي" إلى حواجز غير مرئية للوهلة الأولى، تعيق الصعود الاجتماعي أو تعرقل نفاذ فئات معيّنة إلى مراتب عليا أو أوساط النخب. وقد بات على مسلمي أوروبا أن يحفظوا هذا المصطلح جيداً، فقد يسعفهم في وصف واقع تواجهه أجيالهم الجديدة في مجالات عدة.

قد نعثر على مثال ملائم لذلك في اسكندنافيا مثلاً. فقد اضطر عدد من المسلمين الشباب في السويد للخروج من الساحة السياسية. جرى ذلك بالفعل خلال الشهور الماضية بعد ضغوط سياسية وإعلامية متعددة واجهها كل منهم. صحيح أنّ لكل واحد منهم قصته وتجربته، لكنّ النتيجة واحدة تقريباً، وهي أنّ الطريق مسدودة أمامهم وأمام أقرانهم من المسلمين المتصالحين مع الدين. المثير أنّ منهم وزيراً في الحكومة، وقياديين صاعدين في أحزاب سويدية معتدلة، لكنهم اضطروا جميعاً إلى تقديم استقالاتهم واحداً تلو الآخر، تحت وطأة حملات مضادة وضغوط لم تنقصها المبررات والذرائع.

يجري مثل ذلك في دول أوروبية أخرى منذ سنوات، لكن ليس في السويد تحديداً، التي برزت خلال العقود الأخيرة نموذجاً واعداً في استيعاب مشاركة المكوِّنات الجديدة في مجتمعها الذي يزداد تنوّعاً. لكن بدءاً من الآن يجد الشبان الذين تحمّسوا بقوة للمشاركة في الحياة السياسية السويدية صعوبات في إقناع الأوساط المحلية المسلمة، والأجيال الجديدة تحديداً، بأنّ الآفاق مفتوحة أمامها للانخراط في السياسة وخدمة البلاد والمجتمع انطلاقاً من البرلمان أو الحكومة أو البلديات.

الشمال والجنوب

وإذا كان هذا هو الحال في شمال أوروبا، فكيف سيبدو الأمر في جنوبها؟ لنذهب إلى إيطاليا مثلاً، حيث قرّرت أكاديمية وكاتبة في الثلاثينيات من العمر أن تترشح لانتخابات مجلس بلدية ميلانو الذي يحظى بأهمية خاصة على مستوى إيطاليا. ترشحت الأم المسلمة الشابة على قائمة تتبع الحزب الديمقراطي الذي يقوده رئيس الوزراء رينتسي. وكما كان متوقعاً سلفاً؛ فقد كانت في اليوم التالي مباشرة على موعد مع عاصفة هوجاء من الانتقادات السياسية والإعلامية المدفوعة بالتشكيك بها. تماسكت المرشّحة التي ترتدي على رأسها قطعة قماش زاهية، فواصلت مسيرتها غير عابئة بالتقارير والتعليقات التي طاردتها في بعض وسائل الإعلام الإيطالية اليمينية. نجحت سمية عبد القادر في حصد الأصوات والصعود إلى مجلس ميلانو كأول مسلمة في هذا الموقع، لكنّ طريق صعودها كان محفوفاً بالأشواك، ومن الواضح أنها لن تنعم بالهدوء خلال السنوات القادمة خلال سعيها لتحقيق طموحها بتقديم خدمات متعددة لمجتمع ميلانو.

لهذه التجارب ما يماثلها في أنحاء متعددة من أوروبا، والرسالة البائسة التي تبعث بها هي أنّ من يقترب من الحياة السياسية من المسلمين والمسلمات عليه أن يستعد مسبقاً لمواجهة صداع الرأس من اليوم الأول لترشّحه على قائمة انتخابية، وهي أعباء مضاعفة بالمقارنة مع ما يواجهه أقرانهم من السياسيين الشباب الآخرين في المتوسط.

بين أيدينا شواهد وفيرة كثيرة عن سياسيين وسياسيات من مسلمي أوروبا اضطروا بالفعل إلى الاستقالة أو الاكتفاء بدورة برلمانية واحدة، أو خسروا دعم أحزابهم بعد مدة، لأسباب متعددة. وقد يستنتج بعضهم اليوم، بصفة واقعية أو على نحو مبالغ به، أنه من الصعب على المرء أن يكون مسلماً في الحياة العامة الأوروبية، فكيف إن كان مسلماً مطبِّقاً ويرتاد المساجد أو يطلق لحيته، أو أن تكون مسلمة تغطي شعرها بقطعة قماش ملوّنة وتقلدت موقعاً في منظمة شبابية مسلمة منفتحة على المجتمع؟

طريق صعب

ينبغي التنبّه إلى تلك الرسالة السلبية للغاية التي تبعث بها هذه الصعوبات بالنسبة للأجيال المسلمة الصاعدة في بلدان أوروبية، خاصة إن كانت تعيش بالفعل في أحياء تشكو من ضعف تكافؤ الفرص وتلاحقها وصمة التطرف والإرهاب؛ كما يجري مثلاً مع سان دوني في باريس ومولنبيك في بروكسيل.

يمكن الزعم بأنّ خروج الشبان والشابات على هذا النحو من عربات القطار السياسي في محطاته الأولى هو مؤشر على صعوبات أوسع تعترض مشاركة المسلمين وحضورهم في العديد من مجالات المجتمع. ومن المهم التذكير بأنّ بعض الأنظمة تصل أحياناً إلى حالة من العجز عن استيعاب مشاركة فئات معيّنة فيها.

لدينا ما يكفي من التقارير المختصة التي تمنح الانطباع بأنّ بعض دول أوروبا تشهد بالفعل صعوبات في استيعاب مشاركة المسلمين في مجالات الحياة العملية والثقافية والإعلامية، بينما يجري تفضيل نماذج محددة من المسلمين والمسلمات وتقديمها لمنح صورة زائفة من التنوّع في الحكومات والبرلمانات والأحزاب والإدارات والقطاعات المتعددة.

من الواضح أنّ صعوبات المشاركة في الحياة السياسية التي يواجهها مسلمو أوروبا اليوم تعود في بعضها إلى عثرات التجريب الجديد، وهو ما يجعلنا نرى بنظرة متفائلة أنّ ما يجري هو أيضاً نوع من "التعلّم عبر الممارسة". فالجيل المسلم الجديد يختبر فرص مشاركته في الشؤون العامة ومساحات الحضور المتاحة له، لكنه يكتشف أنّ طريقه معبّدة بالأشواك تقريباً باستثناء أولئك الذين يمارسون النقد الذاتي على الملأ، أو يتنصّلون من تقاليد طائفتهم أو ثقافتهم الفرعية. وتبقى الحظوة لأولئك الذين يجيدون لعب دور كارهي أنفسهم فيجدون الترحيب، حتى تتجاوز منظومة التشويه عن أي أخطاء قد تبدر منهم، وكثيرة هي الشواهد على ذلك في بلدان أوروبية متعددة.

من المهم في حالة السويد وغيرها، أن لا تنتهي تجارب الشبان والشابات الذين أعاقهم السقف الزجاجي، فلا يصحّ بهم أن يستسلموا من الشوط الأول، حتى لو اضطروا إلى مغادرة مواقعهم تحت ضغط التحيّزات ضدهم أو من واقع أخطاء وعثرات قد يقعون فيها بصفة متوقعة. بل ينبغي تشجيعهم في كل الأحوال على الاستدراك والتصويب، واستئناف المحاولة بثقة أكبر، مع تجاوز عثرات الماضي قدر الممكن والتعلم منها.

وعلى الساحة السياسية والإعلامية أن تعي خطورة الاستسلام لهذا السقف الزجاجي الذي يعترض جيلاً مسلماً أوروبياً يبحث عن مساحة له في الحياة العامة، بموجب المواطنة التي تشمل الجميع.


هذه التدوينة نشرت باللغة الانجليزية على موقع ميدل إيست آي للإطلاع علي النسخة الأصلية اضغط هنا، قام بترجمتها نون بوست

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.