المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام شاكر Headshot

خاطف الطائرة .. وهوس الصور الذاتية

تم النشر: تم التحديث:

من القسط أن نتقدم بالشكر إلى خاطف الطائرة المصرية التي حطت في قبرص، فقد كشف للعالم في رحلته القصيرة عن هوس الصور الذاتية إذ يجتاح المجتمعات، بكل ما في هذه المتلازمة من غرائب. لقد بلغ الهوس بالقوم حد الطلب من خاطفهم في الأجواء أن يشاطرهم متعة الظهور في صور ذاتية.

ثم علينا أن نتفق.. فليس اسمها "سيلفي"، بل ذاتية، صور ذاتية، وفيها يبتسم الأفراد لألواح مضيئة في أيديهم، ويأتون إزاءها بحركات غريبة. ولا ندري على وجه التحديد ما يفعلون حقًّا بكل هذه الصور التي يلتقطونها تباعاً صباح مساء.

بفرضية بسيطة.. قد نفهم ما جرى للجماهير في زمن الصور الذاتية. فقد أفاق أحدهم يوماً ورأى الناس تفعل هذا، ففعل. أي أنهم جميعاً يفعلون هذا.. لأنهم جميعاً يفعلون. ولا يهمّ هنا مَن هو البادئ، أو مَن الذي راقت له الفكرة الساذجة أولاً بأن يجعل الصور التي يلتقطها بيده في مواجهته هو، منذ أن أتاح التطبيق التقني ذلك. فالمهمّ الآن أنهم انخرطوا جميعاً في طقوس جارفة لا تبديل لها، بمن فيهم بابا الفاتيكان، والدالاي لاما، وبعض علماء الإسلام، وجميعهم يرسمون ابتسامة عريضة للغاية في مواجهة كاميرا الهاتف. لقد سبقهم السياسيون بالطبع؛ إذ يداهنون السذاجة الجماهيرية لكسب التأييد وحصد الأصوات، كما نشهد في جولات السباق إلى البيت الأبيض. وهل يكون سياسيًّا من لا يلتقط "الذاتيات" بين ناخبيه؟

يفرض التطبيق التقني سطوته على البشر، فالتقاط الصورة في الاتجاه العكسي أوْرث المجتمعات هوسها الجديد، واسمه "سيلفي"؛ بل ذاتية، صورة ذاتية.

تقول الأسطورة الإغريقية إنّ رؤية الوجه في صفحة الماء أوقع صاحب الوجه في حبّ ذاته والعجب بها، أو في حبّ هذا الذي يراه إزاءه، الذي هو ذاته، وإن لم يعترف بالحقيقة. وهكذا يفعل حاملو الأجهزة في زمن التصابي، والفارق الذي استجدّ هو تجميد صورة الوجه وحفظها ونقلها عبر المسافات بنقرات معدودة.

تعلو النرجسية مع هوس الصور الذاتية، فبعضهم شيّد متحفه الافتراضي الذي تتزاحم فيه ذاتياته التي استثارت إعجابه، مع تعديلات يعمد إليها بعضهم في ضبط الصور وتحسين جودتها كي يظهر على نحو أبهى من الواقع.

أصبحنا شهوداً على ذكاء الآلة إذ يحرِّض الإنسان على تصرّفات طريفة أو ساذجة، ربما إلى حد البلاهة أحياناً. وللبلاهة ألوانٌ ومشارب تتفاعل سريعاً في زمن الظواهر الجماهيرية المتحركة. وشعار المرحلة التي تستولي عليها الأجهزة الذكية وزمن الصور والمقاطع والشبكات الاجتماعية، هو: "لأني سعيد!"، كما تقول تلك الأغنية الجماهيرية التي تنافست الشعوب والمجتمعات في تقمّصها وفق أصلها الإنجليزي.

يطيب للظرفاء، على أي حال، أن ينالوا قسطهم من تقاليد البلاهة الجماهيرية المستجدّة. ولم يعد في ذلك ما يخدش المروءة، لأنّ الناس -كلّ الناس- يباشرونها، وبها يحتفون، وطالما أنهم يفعلون شيئاً بعينه، فإنّ على الجميع أن لا يجد حرجاً في أن يفعله! تتحرّك الظواهر الجماهيرية سريعاً، فتفرض على الفرد أن يلحق بالمجموع، وهو يبرهن على انتمائه إلى نسقه الاجتماعي -واقعيًّا كان أم افتراضيًّا- بأن ينخرط في الطقوس الجارفة.

لم تَعُد النرجسية نزعة ذميمة، فكلهم ينظر في صفحة الماء العصرية، بل يمضي بنقرة محسوبة إلى لحظته التي يبدو فيها جميلاً فوق عادته أو أنيقاً بشكل استثنائي، أو ساذجاً أو ثرياً أو بطلاً أو صاحب حظوة، ثم يباشر البثّ في الاتجاهات جميعاً.وهل بقي بين الناس من لا يفعل هذا في مجتمعات خافضي الرؤوس إزاء الألواح المضاءة في الأيدي؟

إنهم يحتفون بالصور الذاتية وما ماثلها من مقاطع، وتتجلّى في صور بعضهم أمراض النفوس ومهالكها، وعوْرات القلوب ومساوئها. تَشي صورة هذا بتعطّشه إلى الزعامة، ويظهر آخر خلف مكتبه منتشياً بسلطته المُفتعلة ورموزها، ويحلم ثالث بثراء يستدعي مظاهره ولا يملك مفاتحه، ونظير له تعلَّق قلبه بكومة حديد تمضي على عجلات سريعة، أو بمركب فاخر في مرفأ لفاحشي الثراء. ولا يفوتنا أولئك الذين فتكت بهم بطونهم فألْجأتهم إلى التقاط الصور الذاتية مع موائد شهية زُيِّنَت للآكلين.

وإنّ أحدهم ليبكي في البقاع المقدسة، ولا تدري كيف التقط صورته الذاتية في خشوعه الغامر، ثم تتداعى الجمهرة إلى بثّ تعليقاتها له بقبول هذه التقوى الخالصة لله تعالى منه. تحوّلت المشاعر المقدسة عند الطوائف جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها إلى فضاء مفتوح للالتقاط المصوّر، وهكذا يلجأ الحجيج والزائرون والطائفون، عبر تكثيف الصور الذاتية، إلى مفارقة لحظة الواقع إلى أزمان افتراضية مديدة. ومع هذا الهوس الجارف؛ أصبحت قلوب الناسكين معلقة بالهاتف الذكي، وعقولهم منصرفة إلى الصور التي سيخرجون بها من المكان الذي تشرئب إليه الأعناق.

ما يفعل العاقل بعقله في زمن تستحوذ فيه الآلة على الذكاء حتى تستعمل الإنسان لطقوسها؟ ما يصنع الحكماء بحكمة أوْرثتهم بداوةً افتراضية وافتراقاً عن الظواهر الجماهيرية المتلاحقة؟ وهل من مكان تحت الشمس لمن ينفلت من متلازمة الصور الذاتية بكل طقوسها الساذجة؟

يحدثونك عن زمن العقل والحرية والاعتداد بالاختيارت الفردية؛ بينما يعجزون عن مقاومة اللحاق بالجماهير المنصرفة إلى طقوسها الجارفة؛ في التقاط الصور الذاتية مثلاً. لقد أنهكت أذهانَهم تلك الصور التي تحاصرهم في الأرجاء؛ وفيها يبرز الزعماء والنجوم وذوو الجمال الطاغي المصطنع والإشعاع الآسِر المحفوف بالافتعال، بعد أن بيعت الجدران والصفحات والشاشات والمواقع وكل ما يمكن تصوره.. مساحاتٍ إعلانية تتصدّرها الوجوه المنتقاة بعناية. ثم يعيد بعضهم في صورهم الذاتية تمثيل اللقطات المطبوعة في وعيهم العميق، فمنهم من يتقمّص روح جورج كلوني أو يحاكي ليونيل ميسي، وتحاول بعضهن الظهور مثل شهيرات الشاشة أو كالدمية المدلّلة "باربي"، مهما تعثّرت بهن المحاولات وبعثت الصور على الذهول.

وكي يوافق الالتقاطُ التصويري تلك النماذج الأخّاذة العالقة في الأذهان؛ يتقاطر القوم إلى عيادات التجميل ليعيدوا إنتاج قوالبهم، فتزدهر الصنعة. إنهم يرضخون لمبضع الجرّاح في تسوية الزوائد أو إحداث الزيادات، بعد أن رضخوا ابتداءً لسطوة الصور على أذهانهم فاستولت على عقولهم ووجدانهم من حيث لم يحتسبوا.

مياه وفيرة جرت في الوادي بعد أن كان التقاط صورة واحدة إنجازاً معتبراً. ففي زمن مضى كان للصورة عنوانها الذي هو محل التصوير الذي يرفع لافتة عريضة، حيث ينهض بالأمر مختص ذو دراية بآلات ضخمة. كانوا في قاعة التصوير الداخلية يقفون باحترام زائد، وبكثير من الهيبة التي يفرضها المكان، قبل إشعال الأضواء الكاشفة في مواجهتهم. كانوا يخضعون لتعليمات المصوِّر بانتصاب هيئاتهم وتعديل رؤوسهم، على أن ينتظروا طويلاً حتى تخرج لهم الصورة الموعودة فتتناقلها الأيدي وتحدق بها الأبصار.

انقلبت الطقوس رأساً على عقب، وتجاوزنا محل التصوير، وأصبح الفرد هو المصوِّر وهو موضوع الصورة في اللحظة ذاتها، ولا يتردد في مباشرة بثها من فوره وتدويرها عبر العالم.

كيف ستستعيد الأجيال اللاحقة ذكرى جيلنا الحالي، إذ يخضع للهواتف الذكية وطقوس الالتقاط الجديدة؟ ماذا ستقول نوادرهم القادمة عن هوسنا الجماهيري بالصور الذاتية بكل ما يلازمه من ظواهر عجيبة؟ أم سيذهب اللاحقون أبعد منا في مزاولة الطقوس ونحت مزيد منها، بعد أن يقعوا بالكامل في قبضة التقنية المذهلة وتطبيقاتها المتسارعة.. كما وقع الركاب في قبضة خاطف الطائرة ثم شاركهم الصور الذاتية؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.