المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام شاكر Headshot

هضم الوعاظ .. في شاشات المنظومة

تم النشر: تم التحديث:

بريئاً بدا عند ظهوره الأول، اقتطعت برامجه متابعة مذهلة. تفتحت شهية رأس المال الإعلامي على الصيد الثمين، فاقتنصته قنوات تضع الدين في الهامش، ثم انزلق إلى معدة المنظومات الهاضمة ليجد نفسه مع من سبق.

هي قصة اعتيادية. تؤول برامج الزهد والورع شيئاً فشيئاً إلى حالة منتفخة، تفرض قطع الحلقة كلما تراكمت دقائق معدودة. لا تبزغ في الفواصل آيات وأحاديث ومأثورات، بل غواية الاستهلاك التي تستميل المحظيين منهم وتُفاقم حسرة الجمهرة إذ ترى ما يعز عليها طلبه. تدفع بالإعلانات إياها شركات تجسِّد الركيزة القارونية في منظومة الاستبداد.

يحق لممالك الشاشات أن تشغل مراتب السحرة، وإن كان أولئك المتقدمون قد آمنوا برب هارون وموسى ودفعوا ثمن الموقف ونالوا شرفه في لحظة الامتحان القاسية.

كشفت "فوربس" ذات يوم عن جانب من رأسمالية الوعظ المحاطة بالتكتم، لكنها غفلت عن "علاقات الإنتاج" في صناعة تزييف الوعي بمسالكها الغامضة. تغيب وجوه وأسماء عن المراتب، فما زال بعض العلماء والمشايخ والوعاظ على براءتهم الأولى، وقد يأتي في تأويل ذلك أنهم يلتزمون جمهوراً يتابعهم عبر قنوات لا تمنح بسخاء أو أنها لا تدفع أبداً.

لا يقصف الزاهدون جمهورهم بإعلانات الترويج الاستهلاكي، وقد تنعقد المخاطبة من رواق متواضع من أثر الفاقة. لا جناح على غيرهم في الارتزاق، أو التوسع في العوائد، ولا تثريب على الجمهور أن يباشر المساءلة لتطمئن القلوب، بأن يلحظ التوافقات بين المضمون الوعظي في الأروقة المذهّبة وأولويات الخط السياسي المعتمد في فضاءات العرب المتلفزة.

قد يتقن "نجوم الوعظ" فنّ المسايرة لكنهم يتذاكوْن في مواجهة الجمهور بتأكيد سلامة وجهتهم والإفصاح عن حسن طويّتهم، إذ لا يبتغون في ما يقولون على شاشات القهر والاستبداد والممالك الإعلامية "إلا وجه الله".

لا يتورع بعضهم عن إغراق جمهوره بحديث المبادئ وشعارات القيم عبر قنوات تأنف الحرية وتطيح بكرامة الإنسان وتحظر التعرّض لشواغل الإصلاح في أحوال البلاد والعباد، ثم يزعمون الإعراض عن الخوض في السياسة. من القسط القول إنّ السياسة هي التي تخوض بهم معاركها مع الحقوق ومن يطالبون بها.

يلتحق الواعظ ذو العمامة أو نظيره ذو ربطة العنق بجوقة المنخرطين بترويض الجمهور، وفي الجوقة حاملو أقلام ومؤلفو كتب وأساطين في التمثيل والغناء والأدب والابتذال. أما حصته من المعزوفة فهي استعمال الدين في خدمة السلطة ومن شايعها. فإن كان "تقليدياً" جعل الانقياد والرضوخ أصلاً في الدين والتزام الصمت قريناً للورع، وإن برز "مستنيراً" فلن تفوته المناداة بالمقولة المألوفة عن "تجديد الخطاب الديني" حسب مشربه أو هواه، وسيكون إسلامه المنشود بلا أشواك تعيق الظلم ولا أسنان تتشبث بالعدالة، بل حالة انسحابية تفضي إلى طأطأة الرؤوس والتزام البيوت.

هي الشاشات إذ يستحيل بعضها مسرحاً للمقايضة. يمنحونك امتياز التصدّر شيخاً لطريقة البث المباشر، وحصد الإعجابات مع أجور سخية، مقابل الدين .. الدين ذاته، بإخضاعه لحيل التأويل وتلاعبات الاجتزاء ليقتفي مقاصد السلطة المستبدة أو مآرب المحيطين بها من أصحاب النفوذ والمال. وهل يستغني المستبد أو المتنفذ عن عمائم تصادر الدين لاختياراته أو تغض الطرف عن مآربه وأفعاله، أو تصعد بمرتبته إلى مصاف الصديقين والأولياء الصالحين؟

ستهضمك المنظومة قبل أن تختبر قدراتك على استعمال منابرها لصالحك. ستجد نفسك منزلقاً مع القائلين بامتثال السلطان للقرآن أو بتقوى المتنفذ في الحكم أو المهيمن على المال أو المتحكم بالرقاب.

لا يبزغ بريقك عبر شاشات كتلك إلا بإظهار التكيف أو الرضوخ. ثم يشقّ عليك النزول عن برجك العاجي إلى ميدان المواقف، فمن يحتمل التضحية بامتيازات وفيرة طوّعت خطابه أو أعادت إنتاج شخصيته؟

من شرف الموقف أن قاوم بعضهم بريق الشاشات المضللة وإغراءات المقايضة، فانصاعوا لمبادئهم وامتثلوا لضمائرهم، حتى شوهد بعضهم في أقفاص المحاكم وحُجب أقرانهم عن المشهد وألقي بآخرين من النوافذ العلوية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.