المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام شاكر Headshot

مدارات الجماهير بالصور "الذاتية"

تم النشر: تم التحديث:

يراه بعضهم عصر الجماهير، فالأفراد يحوزون قدرات تواصلية لم يملكوها من قبل. يفرض هذا المتغير تحديات جادة على صانعي القرار وأصحاب الحظوة والنفوذ، فيلمسون مجالات التصرف وهي تضيق أمام ناظريهم، فهل بوسعهم أن يذهبوا بعيدًا عن الواقع الذي يملك الناس فرصًا غير مسبوقة في إدراكه ومواكبته والتأثير في تفاعلاته؟

لا يرضخ السياسي للمتغيرات بسهولة، فهو يناور ويتذاكى، ساعيًا لمسايرة الظواهر وربما يحاول توظيفها لصالحه أو احتواءها من داخلها. إنه يستعمل خيارات التواصل مع الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية، وقد يطلب من مغرِّدي الشبكات أن لا يترددوا بمساءلته، رافعًا لافتة "اسألوني!" متنازلًا عن كلفة الألقاب. يحسب المتفاعلون في الشبكات أنهم يناقشون حقًا عندما يسددون أسئلتهم وتعليقاتهم وانتقاداتهم إلى الطبقة الممسكة بزمام السياسات وهي تُبدي "رحابة صدر" غير مسبوقة. لكنّ "المناقشات" تثور سريعًا ثم تتبعثر في الأجواء كتغريدات العصافير، دون أن يُتاح لها غالبًا سبْر أغوار المسائل المطروحة بما تتطلبه من متابعة حثيثة ومعرفة بالتفاصيل وتحقيق في الملابسات.

يتذاكى السياسي فينهمك في تسويق قراراته وتلميع مواقفه بالظهور ضمن مشهد الجماهير، مع تحصين التقاليد المحنّطة في عملية صنع السياسة ذاتها. يلتزم السياسي، مثلاً، بنصائح مستشاري العلاقات العامة، فيلتقط صورًا "ذاتية" مشبّعة بالابتسامات مع العابرين، ثم يصعد إلى مكتبه ليجالس شركاء القرار والنفوذ خلف باب موصد بإحكام، على النحو الذي كان من قبل الظواهر المستجدة.

لا تكتمل وصفة الحضور الجماهيري دون التقاط الصور "الذاتية"، حتى أصبحت من لوازم العودة السياسية لمن خسروا جولات سابقة، مثل ساركوزي وبرلسكوني. والحال أنّ شعارات "القرب من المواطنين" المرفوعة في الديمقراطيات، ظلّت في معظمها تعبيرًا من السياسيين البارعين عن الرغبة في إظهار صدقية تمثيلهم للجمهور وأنهم قريبون من الناس ويلامسون همومهم، وهذا بالطبع تحضيرًا لحصد الأصوات يوم الاقتراع.

تتواصل مسايرة الجماهير في زمن التشبيك والبث الفردي، فتبرز منها ظاهرة التقاط الصور "الذاتية" مع أفراد الجمهور خلال الجولات العامة، فيلجأ السياسي بها إلى استعمال الأسلحة التي يحملها المواطنون في جيوبهم: الهواتف الذكية، معلنًا أنه في صميم المشهد وليس خارجه. يتماهى السياسي بهذا السلوك مع حالة الناس الوجدانية، فتكتشف براءة الجماهير أنّه جدير بالثقة لأنه "مثلنا تمامًا"، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويلتقط الصور بابتسامات عريضة.
بقيت المدارات سلوكًا تقليديًّا راسخًا في السياسة، يتولى الحاذقون بمقتضاها مخاطبة الجماهير بعبارات "شعبنا العظيم"، مع قدر ملحوظ من الاستغفال أحيانًا. ففي كيل الثناء على الشعب دغدعة تقليدية تعين على استلاب الوعي الجمعي وكسب موثوقية قد لا يكون السياسي أهلًا لها في الأساس.

لقد صعدت النازية والفاشية على أكتاف الجماهير بخطاب يمجِّد الشعب. سمح "الزعماء" لأنفسهم يومها بأن يختزلوا المواطنين جميعاً في ذواتهم، متحدثين بصيغة "نحن الشعب"، مستجلبين هتافات الحشود وتصفيقها الحارّ. كما عمد قادة الأنظمة الشمولية إلى مصادرة شعوبهم بتمجيد الجماهير والتغني بإرادة الأمّة وكفاحها، فاتضح في الأنظمة الحمراء مثلاً أنّ "ديكتاتورية البروليتاريا" قد آلت إلى استبداد الطبقة المحظية الممسكة بالحزب الشيوعي، لكنّها الطبقة التي وجدت من يصفق لها في الميادين بإخلاص أو مداهنة.

تتمدد الخبرات إلى العالم العربي، حيث يُسمَع "الزعماء" غير المنتخبين وهم يكيلون الثناء على شعوبهم، تغليفًا لسياسات تصادر خيارات الشعوب ذاتها بعد سحق زهور الربيع تحت العجلات. يقرر الحاكم المستبد مستعينًا بحاشيته، وقد يَزعم أنّ الشعب هو الذي قد قرّر، ثم لا يفوته الظهور مع بعض الأفراد في صور "ذاتية" مشبعة بالابتسامات قبل أن يعود إلى الثكنة.