المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام عرمان Headshot

الحريةُ منصةٌ للإبداع‎

تم النشر: تم التحديث:

الحرية منصة مهمة و حجر أساس رئيسي لبناء مجتمع قادر على الإبداع، فتوفير بيئة "صحية" بحيث يشعر الناس بالأمان في بيوتهم و أعمالهم، وبالتالي يطلق لهم العنان للتعبيرعن مكنوناتهم الإبداعية بأريحية، فتتألق الأفكار والآراء ضمن الدوائر الاجتماعية الصغيرة و الكبيرة، بل يتجاوزها إلى العالمية من خلال توفر الفضاء الأكبر، ضمن مواقع التواصل الاجتماعي و الانترنت، حيث مكنتنا التكنولوجيا جميعاً من التعبير عن آراءنا، و خلق محتوى يمكن أن يساهم و لو بشكل بسيط في محيطنا، رغم أن هناك من يسيئ استخدامه من كثر استخدامه في غير مكانه، و أحيانا يتبجح تحت مظلة الحرية في أسوء صورها فتجده يتجنى و يجرح متحمسا بحق أو بباطل فيكفر و ينفر، وقد يسب و يقذف من اختلف معه في رأيه او رأي مذهبه أو ملته.
الحرية كمبدأ تم مأسسته ليصبح جزء من المعادلة التي نقلت أوروبا من أعماق الظلمات إلى النور، و الانفتاح في الأفكار و الإبتكار، وبالتالي التقدم في الاقتصاد و الصناعة و الزراعة والأدب والرياضة، رغم أنها جلبت معها بعض المصائب حيث الحدود بلا حدود أحيانا، و الذي يمكن تجنبه في بلادنا العربية من خلال الاستناد إلى ما تبقى من ثقافتنا الشرقية الجميلة حيث التأدب مع الكبير، ومراعاة الصغير، ومساعدة المحتاجين والترفع عن البغيضة و الإباحية، واحترام الأديان، و غيرها من خصال مازالت صامدة في مهب الريح.

وتكميلا لثقافتنا الغنية و ليس هدما شاملًا و بناءًا على أرض خضراء، لابد من التدرج بنشر ثقافة الحرية ابتداء من الأسرة التي تشكل شبكة أمان لأبناءها و بناتها الصغار ليتناقشوا و يتحاوروا و يخطئوا ليتعلموا باحترام و حنان.

ما نحلم به هو أن ينتقل الطفل من البيت وقد تربى على الحرية فتستمر معه المدرسة في نفس المنهجية التي تدعم حرية التفكير و التأمل، وتحدي الواقع الحالي للإتيان بجديد خَلَّاقْ، فيحتضنه المعلم ويعزز فيه القدرة على التحرر من المحددات ليفكر خارج الصندوق في كل مرة يواجه فيها مشكلة اجتماعية أوعلمية أو تقنية، و عندما يصل إلى الجامعة تكون قواه جامحة في تحدي المستحيل و ابتكار الحلول في مساقاته و مشاريعه فتمهد له الجامعة طريقه نحو الريادية و الإبداع، ليساهم في رقي بلده، و ينخرط في النهاية في وظيفة، و بيئة عمل توفر الحرية كما نصحت "تيريسا أمابايل": في مقالتها في "مجلة هارفرد" href="https://hbr.org/1998/09/how-to-kill-creativity" target="_hplink"
المتعلقة بكيفية تعزيز الإبداع في المؤسسات - انتهى الحلم - .

صحيح أن الإبداع و الابتكار بحاجة إلى مكونات أخرى مثل توفير البيئة، والتنظيم، والسياسات، والاجراءات الإدارية اللازمة وبناء المهارات، إلا أن عامل "طريقة التفكير" أو ما يسمى mindset وما يحويه من محرك للتغيير في مناحي عدة لتحقيق النجاح كما ذكر "كارول دويك" الذي عنون كتابه بذلك href="http://www.amazon.com/Mindset-The-New-Psychology-Success/dp/0345472322" target="_hplink"
إلا أن الثقافة المحيطة و ما تحويه من مبادئ راسخة تحتاج سنينَ حتى تتكون و تتحور، وبالتالي لن يتحسن الوضع من خلال برامج و مشاريع قصيرة الأمد، فالموضوع أكبر من أن يحل بعصى سحرية!.

وإذا تحدثنا عن العصور كما قسمها "دانييل بينك" في كتابه، href="http://www.amazon.com/Whole-New-Mind-Right-Brainers-Future/dp/1594481717" target="_hplink">A Whole New Mind
فلعل قيمة الحرية تزداد أهميتها أكثر و تناغم بشكل أكبر مع عصر الإبداع الذي نعيشه الآن، ففي عصر الصناعة ومن قبله الزراعة لم يكن التجديد و الابتكار المستمر في المنتجات و العمليات و طرق العمل مطلوباً إلى الحد الذي نشهده حالياً، و بالتالي يجب أن نترك عجلة الدماغ تسير دون احتكاك كما يقترح "اوزبورن" مبتكر مبدأ العصف الذهني، و أن لا نخشى الأخطاء و الفشل بل نحتفل بها كما شرح لنا أسترو تيلر في حديثه في مؤتمر "تيد" 2016 في فانكوفر و الفلسفة التي تتعامل فيها جوجل مع موظفيها الذين يعملون في مشاريع مستقبلية تتحدى الواقع باستمرار.

إذن زراعة الحرية الحقيقية أمر عصيب، و مهمة طويلة لمن أراد السير فيها، فلذلك يتجنبها كثير من الآباء و المدراء و الحكام، ليحققوا "الفعالية" من منظور النظرية الإدارية المعروفة بالمركزية، و يضاف إليها التنفيذ بعسكرية معتمدة على "عبقرية" فردية و"توتاليتاريانية" totalitarian ، حيث أن مساحة الحرية فيها تحتاج إلى أذون رسمية، هذه السياسات بات تطبيقها أصعب بعد الانفتاح الكبير و لن تصمد طويلا وفي كافة المستويات سواءً الأفراد أو المؤسسات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.