المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين سيف Headshot

كرسي الحلاق "الطائر".!

تم النشر: تم التحديث:

عن صالات المطارات ومتعة التجول بين كراسيها أحدثكم، وعن لحظات التأمل على شرفة مدرج الطائرات ومشاهدة اقلاعها وهبوطها..

السفر من الأشياء الجميلة التي نستمتع بها بالرغم من تعبها ومشقتها، يذكرني بالهروب من أجل الحياة.

كرسي الطائرة مثل كرسي الحلاق، يتيح لنا علاقات عابرة وسريعة مع أناس لا نعرفهم وقد لا نتواصل معهم مرة أخرى، لذلك هذا ما حصل في رحلتي الأخيرة كانت علاقة عابرة لكنها تركتني في دوامة تساؤل وحيرة.

في رحلتي للندن كان على الكرسي المجاور في الطائرة رجل أبيض مشوب بحمرة وذو بزة بسيطة، خدعني مظهرة وشكل لي طابع مبدئي أن الشخص هذا بائع أغنام في سوق ويلز، انطباعاتنا عن الناس من خلال مظاهرهم يصعب التخلص منها.

بعد البحث عن حزام المقعد اللعين والمندس، تبادلنا التحية وكلمات المجاملة، علمت أنه بروفسور جامعي، لذلك لاتهمكم المظاهر، أعرف أنه صعب على النفس أن تترك الحكم على الأشخاص بسبب مظاهرهم لكن حاولوا وجاهدوا.

تظل السياسة هي قهوة اللقاءات بالنسبة لي، ولأنها قهوة مُرَّة لذلك لا أشربها إلَّا مع أناس يتقنون احتسائها جيدًا، والبريطانيون أهلها ويعرفون مفرداتها جيدًا.

بدأ حديثنا عن العرب ودائما أتخذ أفكار العملاق "إدوارد سعيد" بوابة دخول للحديث مع الأكاديميين بالذات، فإدوارد ملهم لي شخصيًا، ويعتبر الجسر الممتد لكل العرب "والمسلمين" مع الغرب وخصوصًا نظريته التي كسرت وعرت الغرور الغربي تجاه الشرق.

"البورجوازية الخضراء" هكذا سماها جاري في كرسي الطائرة، ساعة كاملة استغرقناها لتفسير هذا المصطلح.

خلاصتها:

أن القوى الرأسمالية المسيطرة اليوم تعايشت بتسامح كبير مع صعود الإسلاميين (تركيا والإخوان كمثال) في العقد الماضي، وللأمانة هو لم يسمهم إسلاميين في حديثه، وإنما تمسك بهذا اللفظ (البرجوازيين الخضر) وسبب إضافة صفة الخُضرة لأنهم مسلمون.

أساس فكرته أن صعود هؤلاء، سيسهم كثيراً في استمرار الرأسمالية ورجحان قطبها، على حساب الأقطاب الأخرى، ويساعدها كذلك في مواجهة التحديات التي تواجهها في ذلك الوقت كالأزمات المالية وغيرها.

في الحقيقة هذا فكَّ الإشكال الذي لطالما تساءلت لماذا لم تتآمر القوى العظمى على الإسلاميين أو (البرجوازيين الخضر كما قال عنهم)، وقت صعودهم أو على الأقل غضت الطرف عنهم.

الأفكار الكبيرة لا تموت في الغالب، وإذا كنت من المؤمنين بعدم صحة نظرية داروين في التطور، فإن عليك هنا أن تغير رأيك مع الأفكار خصيصًا، فهي تمر بمراحل تطور إذا وجدت أولئك الملهمين الذين يغرسونها ويعتنون بها، وكذلك يكيفونها على ظروف المرحلة التي يعيشون فيها، وإلَّا ستموت وتعيش بهيكلها لا بروحها، فعلى سبيل المثال ضعف الحركات الإسلامية التقليدية والتي اختبرت بشكل كافي في الربيع العربي شكل تقارب الإسلاميين مع العلمانية، وحدث تكيف للظروف على أساسه تغيرت مباديء الكثير منهم.

حوار الساعة الذي قضيته معه بين لي أن الإنسان لا يكتمل فهمه ولا نضجه إلَّا إذا شارك الآخرين فيه فبالرغم من قراءتي لكتاب(الاستشراق) لإدوارد سعيد، إلَّا أن رفيق رحلتي استدل كثيراً بكتابه هذا على البرجوازية الخضراء ؟؟

وأشار إلى أن ادوارد تكلم عن هذا النوع من التقارب.

لكن الحقيقة بعض الكتب كالجبل يوجد أكثر من طريق لتسلق قمته كتاب "الاستشراق" وبكل صراحة كان الجبل الذي فشلت أن أصل لقمته حتى الآن.

أخيرا:

السنبلة الثقيلة تكون منحنية وقريبة من الأرض فلا الأقدام تدوسها، ولا الرياح تنزعها، وهكذا هم الممتلئون بالعلم والمعرفة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.