المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسين صالح    Headshot

موقع التوابل الاجتماعي.. هيصبوك

تم النشر: تم التحديث:

مثلت ثورة يناير/كانون الثاني نقطة فارقة في دور وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا، وزادت من نقاط التماس بين الواقع الذي نعيشه والتعبير عنه بالنقل والتحليل والتناول على الحسابات الشخصية والصفحات.

نقلة نوعية لم تتسع دائرة المشاركين فيها لنفس الدرجة التي وصلت إليها بعد الانقلاب العسكري 3 يوليو/تموز 2013 والتي يمكن تناولها في عدة أسباب، منها:

1- إعلام بديل يساعد المواطن على معرفة حقيقة ما يحدث في مصر بعيداً عن إعلام الظلام (النظام) الذي وصل لدرجة من الكذب والتدليس والتحريض لا يمكن تحملها، في ظل تناقض كامل وتام بين ما يعيشه المواطن وما يتم تناوله في وسائل الإعلام بصورة تدعو للجنون.

2- لمّ شمل الأسر التي غاب عنها ابن أو بنت أو أب أو أم بالحبس أو المطاردة أو بالسفر خارج مصر جبراً، وأصبح العالم الافتراضي في جلساته الأسرية يشبه بشكل كبير منازل حطّمها الفراق والشتات وأصبحت سجوناً انتُزعت منها السعادة بحبيب غائب لا يكتمل جمعهم إلا بمكالمة على موقع من مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت بهذه الوظيفة ركناً لا يقل في أهميته عن جدران منازلهم، وأهم من واقع يحرمهم أحبابهم.

3- اتساع دائرة الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب والأطفال بصورة جعلت من إنشاء الحساب ضرورة تكتمل بها الشخصية أو من باب مثلهم أفعل.

رصدت ما لا يقل عن 350 من الأمهات والآباء ممن تجاوزوا الـ50 عاماً والـ60 عاماً (من سكان قرى ومدن) أصبح لديهم حسابات بدوافع اجتماعية وليست سياسية، ويجيدون استخدام الاتصال على مواقع التواصل ومتابعة ما يُنشر من أخبار وتحليلات مصاحبة للأحداث في مصر، فيما تقتصر مشاركاتهم في صناعة المحتوى على التعليق على الأحداث الاجتماعية ومشاركة محتويات دينية.

ومع هذا التصاعد لدور مواقع التواصل الاجتماعي، واتساع دائرة المشاركة فيه قوبلت باهتمام كبير للمواقع الإخبارية، سواء المنشأة حديثاً، أو صاحبة الخبرة، لاستثمار الفرصة والحصول على ثقة المواطن الذي يبحث عن الحقيقة، وأولت هذه المواقع أيضاً اهتماماً بالغاً بمصادر الأخبار المنشورة على صفحاتها، والتأكد من صحتها بشكل يدعو للاحترام.

في نفس الوقت وجّهت القنوات والصحف التابعة للنظام بضرورة الاهتمام بمواقع التواصل الاجتماعي والتواجد بمنصات هدفها مطاردة المواطن الباحث عن الخلاص من سيطرة السلطة على عقله، وعدم الاكتفاء بتغييبه، بل وصلت لدرجة السعي وراء إفقاد المواطن عقله ليصبح مجنوناً!

أما صُنّاع المحتوى من أصحاب الحسابات الشخصية فلم أجد درجات الحرص على نشر أخبار موثوقة إلا في عدد قليل منهم لا يمثل قاعدة على وجه الحقيقة في الوقت الذي وصلت فيه درجة التنافس فيما بينهم لصورة مؤسفة أبعدت المخلص منهم عن هدفه ورسالته، وساعدت المُندسين وأصحاب الطموحات الشخصية في الشهرة وتقديم أنفسهم للمتابعين بصورة مغايرة لمحتواهم الفارغ (قشر البندق الفاضي).

كما يعد الجانب التحليلي والنقاش في مواقع التواصل الاجتماعي أهم أسباب تكريس حالة الانقسام والاستقطاب والتراشق الذي جعل جانباً من هذه الأداة مساحة للسفسطة والتهليل والتطبيل المُنفلت.

عدد كبير من صناع المحتوى يرون في أنفسهم من واقع كثرة متابعيهم قادة تُمثل كتاباتهم قانوناً يتبناه دون إعمال لعقول المتابعين ويُسخرون طاقاتهم الذهنية للذود عن كلمات القائد، فيأتي آخر ويهاجم قائدهم بجيش من المتابعين.

تحولت منصات من المفترض أن ترفع من معدلات الوعي لدينا إلى منصات تنطلق منها سهام يميناً ويساراً؛ لتنال من المختلفين في وجهات النظر أو التوجه في حين أن دور المثقفين والفاعلين هو التوجيه والتوضيح، فمثلاً نجد نظرة دونية لمشجعي كرة القدم واتهامات لا ينتج عنها إلا نظرة معادية واحتقار متبادل دون النظر لحقيقة هذه الاتهامات، فيطلقون على النشطاء والسياسيين أهل السبوبة، وهكذا فيما بيننا.

فإذا كنا نتحدث عن وعي، فعلينا أن نُجيد أدوات صناعته بتخليص المغيبين من غياباتهم ومراعاة المراحل السِّنية والفكرية والبيئة، وليس العكس الذي ينتج عن التسفيه والاستعلاء والاتهامات التي تُزيد من تمسك الشخص باختياراته مهما وصلت درجة الخطأ.

وإذا كنا نبحث عن لمّ شمل المجتمع المصري، فعلينا أن نستمر في موضوعية تناول الأخبار ومحاربة منصات التغييب التي تطارد المواطن في هذه المساحة، والالتزام بآداب الحوار وعدم الدخول في حالات الصمم الوجداني في نقاشنا، واحترام وجهات النظر المبنية على أسس سليمة.

علينا أيضاً أن نتذكر الأسر التي تفرَّق شملُها وفقدت حبيباً لها، وتحولت جدران منازلهم إلى سجون حُبست خارج أسوارها سعادتهم وتتابع ما يُكتب قبل أو بعد جمع للأسرة حرمهم الواقع من بريقه.

فلنُفسح المجال ولو قليلاً إلى المعنى الإيجابي للتهييص المصحوب بالسعادة، وترك المعنى السلبي له بالتهييص الذي يحقق للنظام مبتغاه بتكريس الانقسام وتشويه رافضيه بأيديهم واستمرار عمليات التغييب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.