المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هدى علي الحسيني Headshot

#وجدتُ_حلاً| باكتشافي لنفسي

تم النشر: تم التحديث:

لمّا تفاجأت بأنني قد عشت سنوات طويلة مع نفسي، ولكنني لم أعرفها حق المعرفة، عقدان ونصف العقد.. عشتها مع ذاتي وأنا لا أعرف عنها الكثير، وبسبب ذلك فاتني الكثير! وحين بدأت بالاقتراب منها وتوطيد علاقتي بها أكثر، انقلبت حياتي رأساً على عقب، للأفضل في مجملها.

حين بدأت بمحاولة اكتشاف ما تستطيع نفسي القيام به، فهمتُ لِمَ يستمتع الناس بطرح الكثير من الأسئلة وتتبع عادات الأشخاص الجدد الذين يدخلون حياتهم، فلتجربة اكتشاف الأشياء غير المألوفة سحر خاص، ولم يكن في حياتي تجربة أكثر سحراً أو متعة من تلك التي خضتها على مدى الخمس سنوات الماضية لاكتشاف نفسي، والتي ما إن ألفتها حتى أحببتها كيفما قلّبتها وكانت، كان فضولاً جميلاً، بل قل فضولاً مطلوباً.

وتبدأ أجمل رحلات الإنسان بغير تخطيط مسبق في معظم الأحيان، وهكذا بدأت رحلتي، مواقف مختلفة تتابعت واحدة تلو الأخرى، بعضها فرص أتيحت لي فاستغللتها، وبعضها هرب من شيء ما فأفادتني، ولم أكن أتخيل أن هربي من ملل كنت أعيشه قبل عدة سنوات سينتهي باكتشاف قدرة ممتازة على البحث لدي. تسلية بدأتها لأتخلص من ملل في ساعات عملي كمتدربة، انتهت بنشري بحثاً علمياً في مؤتمر دولي كنت أصغر باحثة فيه، وأصغر من اللازم كما بدا لي وقتها. ومن يومها لم أترك قدرتي على البحث تفارقني قط، فقد خُلقتُ لأبحث و"أنبش" عن كل شيء وأي شيء، وكانت كنوزاً جميلة تلك التي استخرجتها في النهاية من هنا ومن هناك..

في بداية تعارفي مع نفسي حدث بيننا حوارٌ لم يعد بعده شيء كما كان قبلاً، قالت لي حينها هدى: حياتك بائسة! قلتُ: كيف؟ فأجابت: إنها مثالية حد الملل، بالله عليكِ جربي أشياء جديدة، جرّبيني معك في أشياء جديدة! وهذا ما كان، وبدأت مرحلة التجارب، وبدأتُ أجرّب، وأول ما جربته كان عقلي في التفكير، وتفاجأت بالكمّ والنوع الذي أجاد عقلي به لمّا بدأ يفصح، ولمست جودة ما أفصح عنه على مدار أربع سنوات ساهم فيها نتاج عقلي من أفكار ومشاريع وحلول إبداعية على حصولي على 15 جائزة وتكريماً محلياً وعربياً وعالمياً في الإبداع والأدب وريادة الأعمال، وأنا التي كنتُ أعتقد أن الإبداع والنجاح خلق لأشخاص لهم عقول ليست كالتي لدينا نحن باقي البشر. كنتُ معجبة بل قل مستعجبة مما استطاع عقلي التفكير فيه وأنا التي كنتُ أظنه خُلق ليتم تلقينه، واكتشفت عكس ذلك، فكما خُلقت لأبحث، خُلقت أيضاً لأفكر في كل شيء وأي شيء.

ولم أجد حرجاً بعد ذلك من إجراء أحاديث طويلة وأكثر انفتاحاً مع نفسي، بل أصبح حديثي لها ومعها متعة لا مثيل لها، وأنا التي كنتُ قبلاً لا أقيم لا معها ولا مع غيرها أي حديث. وأصبحت الحوارات تتكرر، مرة أخبرها ومرة تُخبرني، وطالت قائمة الاكتشافات المشتركة، اكتشفنا أنني لا أستسلم، وأنني فتاة قوية، وأحب المنافسة، ولا تمنعني مزاجيتي من الاستمرار في حياتي اليومية بشكل طبيعي، كما اكتشفت أنني متحدثة ومقدمة بارعة، وأنا التي كدتُ أنهار يوم مناقشة مشروع تخرجي في كلية الهندسة خوفاً من الحديث علناً أمام الناس، لا بل أصبحت أستقبل دعوات متكررة للحديث عن قصة نجاحي كقائدة شابة مبدعة في عدة مناسبات، واكتشفت وأنا التي كنت صامتة معظم حياتي، أنني خُلقت لأتحدث عما أجيد التحدث فيه.
أدركتُ أن كل ذلك كان وهماً، كان كل الخوف والضعف والتقليد وهماً أُجبرنا عليه ولم نُخلق له، فقد خُلق الإنسان ليكون قوياً ومثابراً رغم كل شيء.

كانت النسخة المُكتشفة من نفسي أفضل بكثير من تلك التي عشت معها قبلاً، نسخة جعلتني من عاطلة عن العمل ومفلسة وتعيش على الهامش، إلى قائدة شابة ضاعفت دخلها 10 مرات تقريباً خلال أربع سنوات ووصلت إلى العالمية.

من يومها وسؤال واحد ملتصقٌ بتفكيري كل يوم: ماذا لو لم أكتشف بعضاً من قدراتي المخفية التي وهبها الله لي وبقيتُ نفس النسخة القديمة مني، النسخة الكارثيّة التي تخرجت من الجامعة قبل ست سنوات مقارنة بنسختي اليوم؟ كيف كان سيكون شكل حياتي الآن، بعد سنة أو عقدين؟ خلاصة ما توصلت إليه في الحياة بأن الله خلقنا "معجزة"، إذن، من نحن لندعي غير ذلك! جعلتني هذه الخلاصة أمتنع عن قول أو فعل أشياء كثيرة، فأصبحت كلمات مثل لا أعرف ولا أقدر محرّمة في قاموسي، لأنها تتناقض مع فكرة المعجزة، فقد خلقنا الله في "أحسن" عقل وتقويم، وهذا "الأحسن" يعرف ويقدر بكل تأكيد، بتفاوت بين الخلق نعم، ولكنه يعرف ويقدر في النهاية. والسؤال الذي يبقى: كم منّا خصص وقتاً لاكتشاف معجزة الله فيه؟ لا أدري! ولكن ما أدريه أنني خُلقتُ معجزة من الله على هذه الأرض ولن أقبل بأن أكون أقلّ من ذلك.

كان هذا التفكير قوتي الدافعة للاستمرار في هذه الحياة، للاستيقاظ كل صباح رغم كل شيء. لاجتياز كل تجربة جديدة مهما كانت تبدو صعبة أو مدمرة، أجتازها بسلاسة أكثر وقوة أكبر، لأنني أعطي الأولوية فيها لاكتشاف نفسي وردّات فعلها، بدلاً من التحوّل إلى فتاة دراما وجو كئيب! فمليارات من البشر يعيشون على هذا الكوكب معنا أيضاً، لا ينامون بالضرورة كل ليلة سعداء ويستيقظون في جنّة كل يوم منذ خلقهم الله وحتى انتهاء أجلهم. وفكرت بما أنه لدي حرية الاختيار ما بين الاثنين، فسأختار الكوميديا، فلستُ بفتاة تحب الدراما! وهكذا كان...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.