المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هدى أبو الشامات Headshot

المعلم والتوجه الثقافي

تم النشر: تم التحديث:

لطالما كانَ المعلمُ الموجّهَ الثقافي والفكري الأول للإنسان، وأنا أقر أنه كما يزرع الأهل في أطفالهم الأخلاق، فإن الأستاذ هو من يمسك تربتنا النَّدِيَّة فيرويها ويجعلها غابات مزهرة تنمو فيها تلك الأشجار الباسقة أو تلك التي تظل مخضرة أبداً، وأقلُّ الإيمانِ بدلَ أنْ يتركها صحراء مقفرة من الفكر والثقافة فيغرس فيها نخلة وارفة يستفيء في ظلالها المرء، كلما أرقته الحياة وتظل شامخة رغم ظروف الماء الشحيح والعناية الضائعة؛ وإني لأرى أن دوره في هذه الناحية أعظم من دور ذوي الطفل نفسه لأنه غالباً ما يركز الأهل في الحرصِ على نفسية وصحة وأخلاق الطفل وتقدمه الدراسي أقلَّ من تركيزهم أو اهتمامهم باحتواء عقله وتنمية مخزونه الثقافي والفكري.

ولربما علة هذا الأمر أنهم لا يميزون فعلاً بين محتوى الكتب الدراسية ودورها التعليمي وبين الجلسات والنقاشات وتعزيز محتوى الكتب والمصادر الثقافية في بناء شخصية وعقل وكيان الطفل برمته! ولذلك لكل أستاذ دور بالغ الأهمية في توجيه هذه العقول الطرية وتشكيل هذا الصلصال بين أيديهم ليكون أثمن ما يكون، وعليهم أن يدركوا أن العمل بالصلصال سيجعلهم يدخلون أفراناً لا قِبَلَ لهم بها ولا بحرارتها، ليدخلوا أعظم صناعة في التاريخ..

ألا وهي صناعة الإنسان.. ولذلك من يلجأ إلى الأجواء القريرة رهبةً من ذاك كله ويأبى أن يحمل هذه الأمانة الكبيرة؛ فهو ليس سوى معلم طبشوريٍّ يتكسر على ألواح الطلاب عند نهاية الدرس، وأيّ إنسان مثقف لا يتمكن من نسيان ذاك الوشم الذي رسمه معلمه في تكوينه المعرفي، ويدرك أنه من الوفاء والدِّين أولاً احترامه في غيبته والدعاء له في سره مع ربه، أليست هذه كانت من تعاليم معلمنا الأعظم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؟

أستاذي للغة العربية في الصف الثامن، كان رجلاً شابًّا ذا صوت أجش، ما زال صوته يرن في رأسي عند إلقاء القصيدة، تعلمت منه أن الشعر عالم آخر من الأسر في جمال الأدب، وسلطانٌ إنْ تَمَّ إلقاؤه بطريقة مثالية ليترك ذاك الأثر ويؤدي وظيفته في تغيير نفوس سامعيه، كيف للإنسان أن يأكل من قصعةٍ رُمِي فيها الطعام بإهمال؟! هل سيكترث أحد لِلَذّة الطعم أمام طريقة السكب تلك؟! وكذلك الشعر والأدب!

كيف سيتلقاه أحد إن لم يُسْكَبْ في أذنه كخرير ماءٍ في جو ربيعي، فينعش روحه الظمأى وينقذه من الضياع في بادية الكلمات، كانَ للقصيدة حضورُها الأول على نفسي بصوته، كان لها تأثيرها الخاص بأدق تفاصيلها ومعانيها، كانت الكلمات تتراءى أمامي بانحناءات حروفها و زركشات حركاتها، كان يطرز بصوته أجمل قطعة حرير شعرية! علمني أستاذي أن في داخل كل منا هذا الماردُ الصغير الذي يريد أن يخرج من قمقمه ويعبر عن نفسه، إن العرب كائناتٌ من كلمات، إن تحرَّكَتْ وَقَعَتْ من جيبها قصيدة شعر، دواتهم الأرض والقضية والسماء والروح والطبيعة والحب، وكل ما تقع عليه بصيرة العين والقلب، فنصوِّرُ ذلك كلَّهُ بالكلمات، الكاتب لا يحتاج إلى كاميرا تصوير، كلماتُه لها من الدقة ما يفوق أفضل كاميرا وأكثرها تقنيةً، إذ تقنيَتُه هي وجدانه!

كان مهتماً في توجيهي الأدبي، وأراد شحذ كلماتي بسكّينه، وصقل قلبي كمرآةٍ، إن نفخ فيه أحدهم ترك أثراً لا يمسح إلا بالحروف، وطوراً كان يقدّر العرق الممزوج بأحباري بكلمات تقطر كالعسل حلاوة، كان يدري متى يكون صارماً تجاه أخطائي، ومتى يجب أن يستفز أعصابي الأدبية لتصرخ بكلمات جزلة قوية، ومتى يجب أن يثني على حسنها فتزدان وتأتلق بكلماته.

قلة من الناس يدركون مواقعهم من النقد في حياة الآخرين، أحياناً يرمي الإنسان كدره وأرقه وتعبه على صفحة من ورقٍ ويأتي بها إلى شخص احترف هذا الجهد كله، فيبدأ بلدغ ذاك الإنسان المرهق حتى يفتك بروح الإبداع لديه ويسممها، وآخر يسكب عليها سُكَّراً بكمية فاحشة، حتى تطغى على معالمها فلا تُعَد أكثر من قطعة مدللة حلوة الطعم خشنة الملمس بشعة المظهر لا تحمل قيمة فنية!

بعض النقد يقتل وبعض المجاملة تَئِدُ الحياة، على الإنسان أن يحدد نفسه من كل هذا، أن يعرف موقعه من الإعراب في جملة النقد هذه، ليس كل النقد متقبلاً من أي شخص، وعلى المرء أن يدرك نفسه إن كان هذا الشخصَ أم لا، وأحياناً نستميت في العمل ولا نريد إلا كلمة طيبة لنحيا، هو كان الميزانَ العدْلَ الذي يزِنُ بعقله الحكيم جهدي ويقيس بنظرته مدى تقدمي وما هي سرعتي في العمل، ويختلس نظرة من المستقبل ليقدر لي بفلسفته كيف سأصبح، كنت أعارضه كثيراً، وأتذمر من ثقته، ولكن الأيام تمضي، وها أنا حيث تَخيَّلَني.

وتمضي الأيام لتثبت لي أن المعلم لا يمهد لنا طريق الثقافة والإبداع فحسب، بل إنه لَيستخرجها من نفوسنا، ويمحص شوائبها ويوجه نظراتنا ويثبت أقدامنا لنجري بكل قوة وحرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.