المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Howard Fineman Headshot

مرحباً بكم في الانتخابات المكسيكية - الأميركية

تم النشر: تم التحديث:

أولاً، أقسم دونالد ترامب على بناء جدار "عظيم" بطول الحدود الأميركية المكسيكية الممتدة لـ1989 ميلاً، وجَعْل المكسيك تدفع ثمنه؛ ليجيب فينسينتي فوكس بأنه من المستحيل أن تدفع بلاده ثمن "جدارٍ لعين"، بينما قارن إنريكه بينيا نييتو بين "شعبوية" ترامب وشعبوية هتلر وموسوليني. هاجمت هيلاري كلينتون أيضاً، لكيلا تسمح لأحد بالتفوق عليها، ترامب ووصفته بالمتعصب الديكتاتوري، وهو ما يعود في جزء كبير إلى وصفه المهاجرين المكسيكيين إلى الولايات المتحدة بأنهم مجرمون وتجار مخدرات ومغتصبون.

لقد أصبح حتى ظهور صحن من التاكو لحظة فارقة في سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية. هل حاول ترامب ببراءة تكريم الثقافة المكسيكية عبر تغريدة سينكو دي مايو (أو عطلة الخامس من مايو/أيار)، أم كان يتهكم على منتقديه بوقاحة؟ (تأكدت من أنه كان يتهكم على منتقديه).

وكانت هذه هي مجرد البداية لميلودراما أميركا الشمالية السياسية.

يوم الأربعاء، وفي الفصل الأغرب حتى الآن، على الرغم من أن كل فصل كان هو الأغرب حتى حينه، وصل ترامب إلى مكسيكو سيتي ملبياً دعوة بينيا نييتو لعقد لقاء بين رجلين يستميتان لأجل كسب الاحترام. تراجع ترامب كثيراً في استطلاعات الحملة، بينما بلغت نسبة التأييد لبينيا نييتو 23%.

كان بينيا نييتو قد وجه دعوة منفصلة لكلينتون، لكنها اختارت بحكمة الابتعاد عن الطريق حالياً، مفضلةً مراقبة كيف سيحاول الرئيس المكسيكي والمرشح الأميركي تجاهل عام من تراشق الخطاب الأسوأ بين الدولتين منذ هاجمت سانتا آنا ألامو.. وتجاهلاه بالفعل.

وعلى عكس المتوقع، تمكن الرجلان من الظهور بمظهر رفاق السلاح، تجمعهما رغبة مشتركة لوقف الهجرة غير الشرعية من أميركا الوسطى والجنوبية، ومنع الواردات الرخيصة القادمة من خارج أميركا الشمالية. أما فيما يتعلق بالمخاطر الناجمة عن الحدود سهلة الاختراق، اعترف ترامب بأنه "ليس طريقاً ذا اتجاه واحد"، معترفاً بالمعاناة التي تواجهها المكسيك جراء دخول الأسلحة والأموال القذرة إليها من الولايات المتحدة.

كما أضاف ترامب: "سنعمل معاً" ليبدو، لوهلة على الأقل، مثل الساسة الذين يلجأون للحلول المؤقتة، والذي بنى حملته على شجبها.

وهناك أمر آخر أيضاً، طبقاً لشهادته الخاصة، لم يُثر ترامب المسألة الشائكة الخاصة بمن سيدفع كلفة الجدار الحدودي، إذا شُيد. وقال ترامب: "إننا لم نناقش هذا" على الرغم من أن الجدار كان أحد ثوابت برنامجه فيما يتعلق بالهجرة.

لابد أن ترامب فاجأ بينيا نييتو بقبوله الدعوة وإسراعه إلى مكسيكو سيتي قبل أن يغير الرئيس المكسيكي رأيه. وكوفئ بكلمات بينيا نييتو الكريمة المتحفظة، الذي لم يتمكن من الترحيب بضيفه واصفاً إياه بالفاشي.

وبدلاً من ذلك، قال بينيا نييتو إنه على الرغم من حديث ترامب القاسي خلال الأشهر الماضية، فقد أظهر الملياردير الأميركي "اهتماماً حقيقياً بمصالح مجتمعاتنا المتبادلة ورخائها"، وهو ما تُنتَظَر رؤيته بالطبع.

لا يصوت مواطنو المكسيك في الانتخابات الأميركية بالطبع، لكن المكسيك ذاتها احتلت موقعاً رئيسياً في الولايات المتحدة هذا العام، بدرجة شكلت ضغطاً على كلا البلدين. هناك كوميديا سوداء يمكن الاستمتاع بها في ذلك، لكن حين تصبح المكسيك قضية مركزية هنا، فهي علامة على أن سياسة أميركا الشمالية قد أصبحت مخيفة كما أصابها مس من الجنون.

وحين يدلي الأميركيون بأصواتهم في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، فلن يختاروا رئيساً جديداً (وكونغرس) فقط، بل سيكتبون فصلاً جديداً في العلاقة الطويلة، المثيرة للجدل غالباً، مع جارتهم الجنوبية، حيث شهد تاريخهما المشترك حرباً على تكساس وإسبانيا الجديدة في القرن 19 وحرباً كلامية حول التجارة في نهاية القرن العشرين.

كما سيشهد هذا العام تأثير تصويت المواطنين الأميركيين ذوي الأصول المكسيكية الذين يسكنون في الولايات ذات الأهمية الاستراتيجية على نتيجة السباق الرئاسي.

وتعتمد السياسة الأميركية تجاه المهاجرين المكسيكيين على نتيجة هذا السباق، في الوقت الذي تشهد فيه أميركا تفشي كراهية الأجانب، مدعومة بالمخاوف الأمنية ومستويات الهجرة المرتفعة على مستوى العالم.

من اليسير تحديد اللحظة التي تحولت فيها 2016 إلى الانتخابات المكسيكية.

في السادس عشر من يونيو/حزيران، ركب رجل قصير وبدين، ذو شعر بلون اليوسفي، مصعداً مذهباً ليصل إلى بهو البرج المكتبي الذي سماه على اسمه في الجادة الخامسة بمدينة نيويورك، وهناك أعلن ترشحه لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، بينما تحيط به الكاميرات والرخام الوردي، وحربه الشخصية تجاه المكسيك وشعبها.

في ذلك اليوم، قال ترامب إن المكسيك كانت "ترسل" إلى الشمال أشخاصاً "يعانون من العديد من المشكلات. إنهم يجلبون المخدرات. إنهم يجلبون الجريمة. إنهم مغتصبون".

أما الحل، كما قال، فهو سرعة العثور على المهاجرين غير المصرح لهم بالدخول إلى الولايات المتحدة، والمقدر عددهم بـ11 مليون مهاجر، وترحيلهم، بالإضافة إلى بناء جدار حدودي بارتفاع ثلاثة طوابق. كما قال ترامب أيضاً إنه سيجبر المكسيك على تحمل كلفة هذا الجدار، عبر التهديد بقطع تحويلات المهاجرين المكسيكيين.

في البداية، عُدَّ ترشح ترامب للرئاسة عرضاً جانبياً، مشروع مغرور لبطل برامج الواقع وقطب العقارات المنتمي لهامش السياسة الأميركية وما بها من جنون العظمة.

لكن نهج ترامب التحريضي والاتهامي جعل منه المرشح الجمهوري في النهاية، وها هو يواجه كلينتون، الزعيمة الديمقراطية التي يحمل اسمها عقوداً من الخبرة والاتصالات، في الجولة النهائية الحالية.

إلا أن الاستراتيجية التي دفعت ترامب للفوز في الانتخابات التمهيدية، تقضي الآن على حظوظه في الفوز بشكل عام.

تراجع ترامب في السباق الرئاسي في العديد من الولايات الرئيسية التي يحتاج للفوز بأصواتها تبعاً للنظام الانتخابي الأميركي. في 30 أغسطس/آب، رأت صحيفة النيويورك تايمز أن فرصة ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض تبلغ 12%.

صحيح أن الهجرة تظل إحدى القضايا الخمس الأكثر أهمية في السباق الرئاسي، لكن 72% من الأميركيين يفضلون العثور على وسيلة لإبقاء المهاجرين غير الشرعيين "بشكل قانوني" في الولايات المتحدة، بينما يساند 38% فقط تشييد جدار بطول الحدود المكسيكية.

نتائج الاستطلاعات مهمة لعدة أسباب، وهي مثل السم بالنسبة للجمهوريين.

فمن ناحية، يُعَّد ذوو الأصول اللاتينية (Hispanic) بوجه عام، والمكسيكيون بشكل خاص، هم أكبر الأقليات المعاصرة في الولايات المتحدة. تضم الولايات المتحدة 60 مليون فرد من أصل لاتيني، ويُعرِّف حوالي 35 مليوناً منهم أنفسهم بأنهم من أصول مكسيكية.

وعلى الناحية الأخرى، جاء حوالي نصف عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة، والمقدر عددهم بحوالي 11.5 مليون نسمة، من المكسيك.

حين يسخر ترامب من المهاجرين المكسيكيين، فهو في الحقيقة يهاجم مجموعة أوسع بكثير، وأشد تأثيراً، من الناخبين الأميركيين الشرعيين.

وهي ليست طريقة لكسب "الصوت اللاتيني".

عادة ما تنص القاعدة العامة للسياسة الأميركية على أن الحزب الجمهوري لا يمكنه الفوز بانتخابات الرئاسة دون فوزه بـ40% على الأقل من الأصوات اللاتينية. في 2004، فاز الرئيس جورج دبليو بوش بالكاد بعدما حصل على 44% من الأصوات اللاتينية. وفي 2008، حصل جون ماكين على 30% وخسر السباق الرئاسي، وفي 2012، حصل ميت رومني على 27% وخسر أيضاً.

وقال سيمون روزنبرغ، من مركز أبحاث الشبكة الديمقراطية الجديدة (New Democratic Network) في واشنطن والذي يدرس الهجرة: "حالياً يبدو أن ترامب سيصل لأدنى المعدلات الحديثة: 25%".

في مايو/أيار، وبينما كان ترامب يختتم ترشحه عن الحزب الجمهوري، نفى رئيس حملته آنذاك أن المرشح قد يصل لمستويات مماثلة لبوش فيما يتعلق بالتأييد اللاتيني والمكسيكي.

أخبرني بول مانافورت أنه بوجود معظم ذوي الأصول اللاتينية عامة، والمكسيكية بالأخص، في ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس (غير المنافسة في المجمع الانتخابي الأميركي)، فإن الأعداد الإجمالية لا تهم. ما يهم هو حصول ترامب على دعم الولايات التي تحتوي على عدد أقل من ذوي الأصول اللاتينية والمكسيكية، فهناك، كما ادعى، سيكون الناخبون من ذوي الأصول اللاتينية أقل قابلية للتصويت بناء على التضامن العرقي كما لن يؤثر عليهم الناشطون الليبراليون من ذوي الأصول اللاتينية بسهولة.

طُرد مانافورت منذ ذلك الحين، ويعرف بدلاؤه بأن ترامب سيستمر في إبعاد ذوي الأصول اللاتينية، وغيرهم من الناخبين المعتدلين، إذا استمر في نهجه المتشدد تجاه المكسيك والهجرة.

ومن ثم حاول ترامب، على مدار الأسبوعين الماضيين تعديل، أو على الأقل إخفاء، مواقفه السابقة.

يبقى الجدار جزءاً ثابتاً في أجندته، ونظريته أيضاً حول إجبار المكسيك على تحمل كلفته، وتصميمه المزعوم على إيجاد "السيئين" فوراً وترحيلهم، أي أولئك المهاجرون غير الشرعيين ممن لهم سجلات جنائية أو لديهم مشكلات أخرى.

لكنه توقف عن مهاجمة، أو حتى ذكر، جونزالو كوريل، القاضي الفيدرالي المولود في الولايات المتحدة، والذي قال ترامب عنه إنه متحيز ضده بطبيعته؛ لأن والديه هاجرا من المكسيك.

والآن يقول ترامب إنه متعاطف مع المهاجرين غير الشرعيين الذين عاشوا لسنوات طوال في الولايات المتحدة، وعاشوا حيوات هادئة ومنتجة.

كما يقول إن الناخبين في مؤتمراته الانتخابية يدافعون عنهم.

قال الأسبوع الماضي: "لقد قالوا (سيد ترامب، نحن نحبك، لكن أترمي خارجاً بشخص عاش هنا لـ 15_ عاماً هو وعائلته؟ إنه أمر قاس)".

ليس من المرجح أن ترامب قد تغير حقاً' بل يشك المرء بأن فريق مستشاريه الجدد قد ألقوا نظرة أكثر قرباً على المجمع الانتخابي واكتشفوا أن ذوي الأصول اللاتينية هم مفتاح الفوز في العديد من المناطق التي يحتاج ترامب للفوز بها بشدة.

في الوقت نفسه، وبينما يعمل ترامب على "تعديل" موقفه، تستمر كلينتون في إيضاح تفضيلها إيجاد "وسيلة لتجنيس" المهاجرين غير الشرعيين. وهي تستهدف الناخبين ذوي الأصول اللاتينية بعناية، بل وربما بقلق شديد، بينما تشق طريقها عبر الولايات.

اختارت هيلاري تيم كاين نائباً لها، وهو حاكم فيرجينيا، إحدى الولايات التي مازال بإمكان أي منهم الفوز بها، والمتحدث الطلق للإسبانية. ينتمي كاين أيضاً للطائفة الكاثوليكية، التي ينتمي إليها ثلثا الأميركيين المكسيكيين، وسافر وعمل كثيراً في أميركا اللاتينية.

بالإضافة لذلك، خططت كلينتون لما تأمل أن يكون فوزاً لها في نوفمبر/تشرين الثاني، واختارت كين سالازار، عضو مجلس الشيوخ ووزير الداخلية، رئيساً لفريقها الانتقالي، وهو يحمل إرثاً مكسيكياً أميركياً، إلا أن عائلته هاجرت من إسبانيا إلى ما كان يُعرف حينها بإسبانيا الجديدة قبل 400 عام.

كان هذا قبل 300 عام من وصول أسلاف دونالد ترامب إلى نيويورك قادمين من ألمانيا.

- هذه التدوينة مترجم عن النسخة الأميركية لـ "هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.