المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام تكالي Headshot

إرهاب الصورة

تم النشر: تم التحديث:

سبعُ دقائق من فيلمٍ اصطُلح عليه بـ"وثائقي حتى لا ننسى..."، يروي مآسي العشرية السوداء في ذكرى إقرار ميثاق السلم والمصالحة الجزائريّ (29 سبتمبر/أيلول)، تضمنت أبشع ما يمكن أن تبثه وسيلة إعلامية على الإطلاق من صور خضبتها دماء الأبرياء؛ الذين ذُبحوا ذبحاً خلال 10 سنوات دامية هُيّئَ للجزائريين خلالها، أنّ بلادهم لن تقوم بعدها أبداً.

كان متوقعاً أن تُثير تلك الصور موجة استياء واسعة بين عامة الجزائريين، وكذلك بين المثقفين والإعلاميين في آن، باعتبارها -بحسب منتقديها- مشاهد صادمة تسيءُ إلى مشاعر شريحة واسعة من أبناء الشعب، وتستفزّ ذاكرتهم الجماعية التي تفيض بتراجيديا مركبة ساهمت في صناعتها جميع الأطراف المتصارعة حينها دونما مراعاة لذمّة الشّعب أو مصلحة الدّولة.

في الواقع، من غير العقلاني القول بأنّ بث مشاهد من ذلك النوع يُعدّ في حد ذاته إشكالاً. أنا شخصياً لا أرى -من حيث المبدأ على الأقل- أيّ غضاضة في بثّ صور الحروب والمآسي والمجازر التي تتعرض لها فئة من الناس، ليس لمجرّد البثّ أو غرض الاستمتاع، ولكن لتوثيق أحداثٍ وقعت في الحقيقة، يمكن للأجيال المتعاقبة أن ترى عبرها، وبالصوت والصورة حقباً لم تواكبها، ولولا السينما الوثائقية، ما كنا لنعرف فظاعة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وجحيم الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولا مآسي الحروب في إفريقيا والشرق الأوسط وغيرها من بقاع الأرض الملعونة.

بينما كان الجدل يحتدم حول جواز بثّ تلك اللقطات من عدمها، كنتُ أتساءل إن كانت المادّةُ التي عرضها التلفزيون الرسمي يمكن اعتبارها عملاً وثائقياً أصلاً؟

بصرف النظر عن السياق العام الذي بُثّ في الفيلم، والذي يتزامن مع انسداد سياسي قاتم، وتدهور اقتصادي لم تعرفه البلاد من قبل، فإن المادّة المعروضة لم تكن سوى مادّة دعائية لا يمكن أن ينطبق عليها بأي حال من الأحوال صفة الفيلم الوثائقي، فضلاً عن طغيان عبادة الشخصية على العمل من دقيقته السابعة إلى نهايته؛ إذْ خُصصت أربعة أخماس الفيلم تقريباً لخطب قديمة للرئيس الحالي، وهو يدعو الجزائريين للمصالحة فيما بينهم لإنهاء سنوات من التقتيل الشنيع، وكأن مُعدَّ الفيلم ومن كان وراءهُ يريدون القول لعموم الجزائريين إنَّ بوتفليقة هو الذي أنعم على الجزائريين بالأمن الذي هم فيه، والطمأنينة التي سكنوا إليها، بعد سنوات من المشي على جمر الإرهاب، وإنه لا أمن ولا دعّة في عهد سواه من الرجال.

إن الفيلم الذي بثه التلفزيون الرسمي عشية الذكرى الثانية عشرة للمُصالحة الجزائرية؛ فضلاً عن ضعف نصه وركاكته، وحيادة ضوابطه التقنية الفنية على سكة الفيلم الوثائقي، أهمل محطات مهمة مرّت عليها هذه العملية، منذ إعلان الرئيس السابق اليمين زروال "قانون الرحمة"، الذي فتح الباب أمام المسلحين للتخلي على أسلحتهم، وتجاهل بشكل صريح أيضاً جهود المخلصين في الداخل؛ ممن سعوا إلى إنهاء الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد، عن طريق الحوار في جبال الجزائر، ولو أن ذاك الحوار جاء بعد ضريبة باهظة عُملتها دماء الجزائريين.

إنّ إنجاز "فيلم" بتلك الرداءة لبثه في توقيت استثنائيّ لا يمكن إلا أن يكون استخفافاً بعقل المشاهد الجزائري، وبذكاء مَن عايش فترة الظلام تلك، بل هو "إرهابُ صورة" متعمّد، لا يقلّ إثماً عن "الإرهاب" الذي تعرض له الجزائريون طيلة عقد كامل.

الآن، وبعد كل هذه السنين، إما أن تُقال الحقيقة كاملة، بمراعاتها في أيّ مُنتجٍ إعلامي قد يتناول تلك الحقبة المؤلمة، أو أن يُلتزم الصمت، وأن يعمل الجميع بمن فيهم "إعلاميو الرئيس" على عدم فتح جراح الجزائريين، على الأقل كما ينصّ قانون المصالحة نفسه، فالصمت جبنٌ، لكن التزييف خطيئة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.