المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هدى شفيق Headshot

فرنسا.. نحن على مركب واحد

تم النشر: تم التحديث:

عجيب أمر أولئك الذين يناقشوني في هذا الوقت الحرج عن ارتباطي بباريس، بفرنسا وبأنها بلاد الكفار وعلينا الهجرة.
أحبتي هذه أرضي، باريس أحب المدن إلى قلبي.
فيها أحياني الله وجعل لي نوراً منه، فيها عرفته سبحانه وتعالى.
هي مدينة الأنوار والجمال والثقافة والحب والعلم.
عشت فيها أجمل ذكريات شبابي، دراستي، عملي، نشاطاتي، إخفاقاتي.
عرفت الحب في باريس
عرفت الحرية والسلام
عرفت الجد والمكابدة
التقيت فيها بأقرب صاحباتي
ربيت فيها أبناء هذه الأرض، أطفالاً وشابات
أدفع ضرائبها
من فضلكم لا أحد يناقشني عن جنسيتي
لا أعترف بهذه الأوراق
وطني من احتضنني، وطني من قدر كرامتي وحريتي

صحيح أننا عانينا من مشاكل الحجاب في مدارسنا، نعم فرنسا دولة علمانية لها قوانينها التي يجب احترامها، لها إيجابياتها وسلبياتها، لكن الحكومة الفرنسية ليست الشعب الفرنسي،
يكفيني أنني درست على يد باحثين في مراكز علمية وأساتذة جامعيين كانوا نعم القدوة لي في التواضع والعلم.

الواحد منهم عنده عشرات من براءة الاختراع وتجده دائماً يتفقد ويسأل على كل واحد في مختبره حتى عن أبسط المسؤولين عن النظافة.

اشتغلت مع زملاء يقدسون الوقت، يحسنون في خدمة وطنهم، يقدرون إنسانيتك أياً كانت ديانتك أو لونك.

لا أنفي أن هناك حالات خاصة، لكن ديدنهم كان قائماً على شعار "الإنسان أولاً".
مدينة حقاً لكل من علمني فيها حرفاً بكل فضل، أترحم عليهم كلما ذكرتهم.

يا سادتي، الإنسان الفرنسي غال جداً في بلده، يكفي أن تزور أحد المستشفيات في باريس، أو تكون أستاذاً في مؤسسة تعليمية حكومية لتفهم معنى تقدير واحترام الإنسان.

المغرب وفرنسا في قلبي كما كانت مكة والمدينة في قلب رسولنا محمد أزكى صلوات الله عليه.
إخوتي، أصاب فعلاً بالتذمر عندما أرى مستوى التعليم في بلداننا العربية أو حالات سيدات وضعن صغارهن بجانب قطط المستشفيات.
نعم هذا إنساننا العربي وللأسف!

فلا يأتي بعض إخوتنا ليسألوا: لماذا عندما يقتل الفرنسي الكل ينتفض، لماذا كل هذه البلبلة؟ انظروا إلى إخوتنا في سوريا، في العراق، في اليمن، في ليبيا، في فلسطين، في بورما، في إفريقيا.

يا أخي، العالم يحترم القوي، وفرنسا من الطبيعي أن تنتفض لقتل مواطنيها وتمنع نشر صور قتلاها فإعلامها يحترم مواطنيها.

لا أخفيكم أني رأيت من الشعب الفرنسي ومن الجمعيات والمؤسسات هنا تضامناً عجيباً مع إخوتنا في سوريا ومع مختلف اللاجئين من إخوتنا، هو عمل إنساني لم تحرك له بعض حكوماتنا العربية ساكناً.

وبما أن حكومات الغرب تحرص على الفعل والقول معاً فقد سارعت وزارة التعليم الفرنسية عقب الهجمات إلى إيقاف جميع الأنشطة التربوية والثقافية هذه الأيام.

وأكدت ضرورة التزامها بنشر مشروع الهوية الفرنسية بين مختلف الأطياف والديانات، وتعزيز قيم الحرية والمساواة واحترام الآخر.

وفتحت صباح الإثنين نقاشاً في جميع المؤسسات التعليمية مع التلاميذ بخصوص الأحداث التي أصابت باريس، ونزل بعدها التلاميذ إلى الساحة لدقيقة صمت ترحماً على الضحايا.

الكثير من التلاميذ من أصول وديانات مختلفة كانوا مصدومين وعلى وعي عالٍ بأن الإرهابيين لا علاقة لهم بالإسلام، وبأننا في حرب ضد الإرهاب وعلينا أن نكون متحدين.

صراحة نقاشهم أعجبني وكان أرقى من بعض نقاشات الفيس حول جواز وضع علم فرنسا أو شماتة بعضهم أو تبرير أن هذا ليس من الإسلام.

أعتقد أن قادة فرنسا وأوروبا عليهم أن يفهموا أنهم يحصدون ما زرعوا من خذلانهم لربيعنا العربي وإرهابهم للمستضعفين، وأنهم على مركب واحد مع السوريين والعراقيين والشرق الأوسط ضد داعش وحزب بشار، وبأن ما يدفع السوريين والعراقيين لركوب قوارب الموت قد يصل إلى عقر دارهم ويذهب بزينة شبابهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.