المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام خليل Headshot

يا صاحبي.. السجن أم العيش عاجزاً تحت حكم مَن خان وباع؟

تم النشر: تم التحديث:

فى الخامس والعشرين من أبريل/نيسان الماضي كنت أسير برفقة صاحبي المقرب، بمحيط نقابة الصحفيين المصرية وسط القاهرة، كنا فقط نسير، لم يكن هناك تظاهرات من الأصل إلا لمؤيدي قرار النظام بالتخلي عن الجُزر للملك سلمان.

البداية صباح 25 أبريل فى المقهى الذى اعتدنا الجلوس به، سواء نزلنا رافضين للبيع أو إرضاء لفضول، هذا لا يعطي الحق لأحد فى اعتقالنا داخل معسكرات لا تعد أماكن احتجاز قانونية، إلا أن الوضع أصبح كذلك منذ حكم الرئيس ذي الخلفية العسكرية، عبدالفتاح السيسي، ولا عزاء للقانون.

كنا نسير بالتحديد فى شارع شامبليون، وهو أحد شوارع القاهرة المعروفة، نبعد أمتاراً عن مقر نقابة الصحفيين، وأخبرنا أحد عناصر الأمن أنه من غير المسموح المرور بهذا الشارع لدواعٍ أمنية، وأن علينا العودة حيث أتينا، وأثناء عودتنا استوقفنا بعض الأشخاص، وأخبرونا أنه في حال عودتنا فى هذا الاتجاه سوف يتم اعتقالنا، وقبل أن ننهي حديثنا أحاطتنا عناصر الأمن بكردون بين ضباط ومجندين، وأخبرونا أن الأمر لن يتعدى الاستعلام عن الحالة (تحريات)، وطلبوا الاطلاع على تحقيق الشخصية الخاص بكل الموجودين، ثم اقتادونا لإحدى السيارات المخصصة لترحيل المسجونين، وهذا أمر غير طبيعي أيضاً، وطلبوا منا الجلوس حتى الانتهاء من التحريات بعد التحفظ على هواتفنا، باستثناء هاتف كنت قد أخفيته لحظة إلقاء القبض علينا.

أبلغت الدكتورة عايدة سيف الدولة، وهى مديرة أحد المراكز المتخصصة فى مجال حقوق الإنسان وتأهيل ضحايا العنف، باعتقالنا، وكان العدد قد وصل لأربعين شاباً وخمس فتيات، نعم حدث ذلك، ومن يعيش فى مصر يعلم أن هذا الوضع قد يؤدي لحالة اغتصاب جماعي، لو لم يكن هؤلاء الشباب من أنبل ما أنجبته هذه الأرض وأكثرهم حفاظاً على كل من عليها.

استمروا فى نقلنا من سيارة لأخرى، ثم تم نقل الفتيات إلى سيارة أخرى، أثناء ذلك طلبوا منا أن نسير صفاً واحداً إلى السيارة الأخرى، وجاءوا بمؤيدين، من ينظر إليهم يعلم أنهم مأجورون من الوهلة الأولى، وكانوا يحملون صور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ويسبوننا بألفاظ نابية، ويتهموننا بالخيانة، أخبرت صديقي وقتها أنه من غير المستبعد تركنا بين أيدي هؤلاء المأجورين، إلا أنهم اكتفوا بالضغط النفسي، أخبرنا أحد الضباط بأن من المقرر احتجازنا بأحد أقسام الشرطة التابعة للمنطقة، إلا أننا فوجئنا أثناء ترحيلنا بتغيير الاتجاه، وأنه تم اعتقالنا بمعسكر الأمن المركزي بالجبل الأحمر (أمن الدولة)، هذا ما علمته عقب الإفراج عني، وهذا المكان لا يعد مقر احتجاز قانونياً، كما تم التحقيق معنا دون معرفة سبب أو مقر احتجازنا، أو الاطلاع على هوية المحققين، وهذا ما يعد مخالفاً للقانون (الذي غير معمول به منذ تولى السيسي الحكم).

جلسنا على الأرض كالأسرى دون مبالغة كنا كأسرى حرب، قرابة الثلاث ساعات حتى بدء التحقيق، حضرنا للتحقيق معاً، كان التحقيق عبارة عن ثلاثة أسئلة: أين تم ضبطك؟ وسبب تواجدك؟ ووظيفتك؟، اتفقنا أنا وصاحبي فى بداية الأمر على عدم الإفصاح عن وظيفتي (صحفي)؛ لأن النظام كان يهدف للتعتيم على أي معارضة لبيع الأرض، إلا أنني فى اللحظة الأخيرة أخبرتهم أنني أعمل صحفياً وكاتباً، حينما أخبرت المحقق بوظيفتي رد بسخرية: (أمك اسمها إيه يا أستاذ؟)، لم يسبب الأمر لي أي متاعب نفسية، فمن الطبيعي الإدلاء باسم أمي في أي وقت، وفي أي مصلحة حكومية، إلا أن خياله المريض صوَّر له أنه بذلك السؤال نال مني، عدنا للجلوس جوار أصدقائنا، ثم أخبر محقق أحدهم باسمي عبر الهاتف، وقتها أخبرت صاحبي أن هذه المرة قد تكون الأخيرة التي يراني بها، وأخبرته بما يجب أن يفعل عند خروجه.

تم اقتيادي لغرفة بها محقق آخر، وجلست بها مدة لا تتجاوز الـ15 دقيقة، ثم لسيارة ترحيلات أخرى، وبها أعطاني أحد عناصر الأمن هاتفي وتحقيق الشخصية الخاص بي، طلبت منها معرفة مصير صاحبي أو الانتظار معه، إلا أنه قال لي حرفياً: (ما تفكرش إنه بمزاجك هتقول لي عايز صاحبي هقعدك معاه، إحنا مش في نادي، باب العربية هيتفتح تنزل على بيتكم وصاحبك هيتعمل معاه كده بس بالليل شوية).

وهذه هي المرة الأخيرة التي رأيت بها صاحبي عبر شباك سيارة الترحيلات معدوم الرؤية، ومنذ 25 أبريل إلى اليوم ظل القاضي يؤجل النطق بالحكم حتى السبت 20 مايو/أيار 2016؛ حيث فوجئنا بالحكم على صاحبي بالسجن لمدة عامين مع الشغل، 51 شاباً أمام قاضٍ غيب ضميره من أجل التعليمات، واستطاع أن يسجن كل هؤلاء بنفس التهم الملفقة على الرغم من اعتقالهم من شوارع مختلفة، كانوا يسيروا فيها منفردين، وكل ذنبهم أنهم يعيشون على أرض تبدل لونها بظلم من يحكمونها، كل ذلك بعد جلوسنا على الأرصفة ليل نهار مدة تجاوزت العشرين يوماً، لا نعمل لا نتعلم، لا نحلم حقاً، حتى الحلم عجزنا عنه على أمل إطلاق سراحهم، أخبرنا المحامون أن القضية غير قانونية، وأن الحكم سوف يصل القاضي عبر هاتفه وفقاً لرغبات النظام فى استخدام القضية، قاضٍ انتظر مكالمة لتؤكد تنازله عن ضميره وتدمير مستقبل شباب حاصلين على درجات علمية، ويعملون من أجل لقمة العيش التي بات الحصول عليها أمراً صعباً يحتاج للكد والألم، منهم من أنهى دراسته، وفي بداية طريقه لحياة جديدة، ومنهم من يستعد لخوض الامتحانات، ومنهم من يعول أسرته.

إذن لا توجد قضية، والضبط كان عشوائياً من الشوارع، وهناك أدلة قدمت تكفي لتبرئتهم، إلا أن مكالمة الناس اللي فوق ألزمت القاضي بتدمير مستقبل عشرات الشباب دون مبرر.

ترددت كثيراً في كتابة هذا المقال لأسباب نفسية، وللضغوط التى نحياها طوال هذه المدة، إلى أن طفح الكيل، وأردت أن أوصل قصة صاحبي وكل صاحب جمعتني به المحنة، كل صاحب طيب خاطري بكلمة على رصيف النيابة، أو بوابة السجن، وأن أخبرهم بأن السجن أكرم وأشرف لنا من الذل تحت أوامر مَن باعوا الأرض ونكلوا بكل مَن عارض خيانتهم.

هم باعوا الأرض والدم دون مقابل، ونحن تنازلنا عن أجمل أيام عمرنا من أجل الأرض والدم، فنحن من نستحق الحياة، بل الخلد عبر صفحات التاريخ، وليعلم كل قادم أن هناك أجيالاً ضاع عمرها ظلماً وقهراً من أجل هذه الأرض، ومن أجل كل مظلوم خلف أسوار ظُلمهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.