المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام جابر Headshot

الحاجة إلى الاعتقاد "1"

تم النشر: تم التحديث:

لا تزال الحضارة المادية تلهَث - بكل ما أوتيَت من قوة - وراء عالم الغيب، على الرغم من أنها قد رفَعتْ لواء التكذيب للغيبيَّات، ورفضت التصديقَ بكل ما غاب عن الحواسِّ، واعتبرت التصديق بعالم الغيب نوعاً من الخرافات والأساطير الباطلة؛ بل وعدَّتْه بعضُ المجتمعات الغربية "آفة" العقل البشري.

وأظهرُ الأدلَّة على هذا السعيِ الحثيث من جانبهم وراء عالم الغيب - هو ذلك السَّيل الجرَّار من الأعمال السينمائية، والروايات الخيالية التي تتعرض لعالم الغيب، أو لِما يُسمونه "عالم ما فوق الطبيعة" [1]، وتحتل هذه الأعمال موقع الصدارة من حيث الإنتاج، والمشاهدة، والقراءة في المجتمعات الغربية، وذلك في محاولة منها لإشباع الحاجة الإنسانية إلى الاعتقاد، واستكشاف سرِّ ذلك الغيب المجهول.

فالإنسان في حاجة إلى الاعتقاد، أو بعبارة الأستاذ العقاد (ت 1383هـ = 1964م): "في الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام، ولنا أن نقول: إن الروح تجوع كما يجوع الجسد".

فإذا ما قطع الإنسان علاقتَه بالله تبارك وتعالى، تظل نفسه تتطلع إلى عالم الغيب، وتبحث عمَّا يُشبع هذه الحاجة، حتى ولو لجأ الإنسان في ذلك إلى الخيال، والقصص، والأساطير الكاذبة.

يقول الشهيد سيد قطب (ت 1385هـ = 1966م): "والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسُّه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيِّز الصغيرِ المحدد الذي تدركه الحواس -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القُوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسُّه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقَّى أصداءه وإيحاءاتِه في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيُه في عمره القصير المحدود" [2].

فإذا كان علماء الاجتماع يقررون أن الإنسان كائن اجتماعيٌّ بطبعه، ويقرر علماء السياسة أن الإنسان كائن سياسي بطبعه، فإن الحقيقة التي تتجلَّى بوضوح -بلا مكابرة- لدى الجميع: أن الإنسان كائن اعتقادي بطبعه.

وقد رصد بعض المؤرخين هذه الظاهرة - ظاهرة التَّديُّن عند الإنسان - فقال هنري برجسون Henri Bergson (ت 1941م): "لقد وُجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات؛ ولكنه لم توجدْ قطُّ جماعةٌ بغير ديانة".

فلا يمكن أن يعيش الإنسان -أي إنسان- بلا اعتقاد، ويظل عقله وقلبه يلهث وراء الإيمان، ولم تستطِع الحضارة المادية بكل ما أوتيت من قوة على المستوى المادي أن تُنسيَ الإنسانَ هذه الحاجةَ أو تُشبعها؛ بل على العكس، كم رأينا من مشاهير بلغوا من الشهرة والجاه والمال حدّاً غير مسبوق، وإذا بأحدهم يتردَّى من أعلى جبل، أو يحتسي سُماً، أو يُلقي بنفسه من برج عالٍ تاركاً خلفه الأموالَ والسياراتِ والقصور، والشهرة والأضواء، وذلك بعد أن وصل - بوصف أحدهم - إلى طريق مسدود! وصدق الله إذ يقول: "وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ" [النور: 40].

إن الإنسان الذي يعيش في معزِلٍ عن نور السماء، ولا يعرف ربه، ولا يعرف نفسه، ولا يعرف مستقبله الحقيقيَّ - لهو إنسان تعيس شقي، ولو سكن القصور؛ فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان.

إن الإنسانية اليوم تعيش في جاهلية عالمية تحت سلطان الحضارة المادية الغربية الغالبة، وإنَّ أوجب الواجبات الآن على الإطلاق أن تعود الأمة الإسلامية لتحمل مشعلَ التوحيد لتنير به ظلام العالم؛ فلا قيمة للدنيا بدون التوحيد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): "والدنيا مظلِمة ملعونة إلَّا ما طلعت عليه شمسُ الرسالة، وكذلك العبد، ما لم تشرقْ في قلبه شمسُ الرسالة ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظُلمة، وهو من الأموات؛ قال الله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا...) [الأنعام: 122]، فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وأما الكافر فميِّتُ القلب في الظلمات.
وسمَّى الله تعالى رسالته روحاً، والروح إذا عُدم فقد فُقدت الحياة؛ قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا...) [الشورى: 52]" [3].

لقد كان القرآن صريحاً في إعلان الغاية من خلق العالمين، فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، والعبادة فرع أصيل عن المعرفة؛ فالإنسان لا يعبد مجهولاً؛ ولذا فسَّر بعض السلف قوله تعالى: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] بمعنى: إلا ليوحِّدونِ.

وكانت الدعوة إلى الإيمان وتوحيد الله هي الكلمة الأولى في دعوة الأنبياء والمرسلين؛ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: 36].

فالإيمان هو الكلمة الأولى والسَّوَاء التي يُدعى إليها العالمون؛ قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) [آل عمران: 64]، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين أرسله إلى اليمن: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ" [4].
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] من مصطلحات الفقه المسيحي، ويُقصد به ما يفوق قدرة الطبيعة؛ لأنه يعلو على مستواها، وذلك كالأسرار فإنها تكشف لنا عن أشياء خاصة بذات الله لا تنمُّ عنها الخليقة، ولا قِبلَ للمخلوق أن يعلمها بقوته الذاتية. (المعجم الفلسفي - مراد وهبة - مكتبة الأسرة، مصر - ط 2016 - ص 632).
[2] في ظلال القرآن - سيد قطب - دار الشروق، القاهرة - ط 1412 هـ - جـ 1 - ص 39.
[3] ابن تيمية - مجموع الفتاوى - تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - ط مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - جـ 19 - ص 93: 94.
[4] متفق عليه: رواه البخاري (1458)، ومسلم (31).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.