المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام جابر Headshot

الحاجة إلى الاعتقاد "2"

تم النشر: تم التحديث:

قد يظنُّ البعض أن الكلام عن الاعتقاد والتوحيد من الأمور التحسينية [1] غير اللازمة لكثير من الناس، وقد يقول قائلهم: إن الإنسان قد غزا الفضاء وصعد على القمر، وأنتم لا تزالون تتكلمون عن الإيمان والتوحيد؟!

وحقيقةً لا علم لنا: ما هو وجه التعارض بين غزو الفضاء والإيمان بقيُّوم السماوات والأرض؟! وقد أجاد شيخ الأزهر - الأسبق - عبدالحليم محمود (ت 1397هـ = 1978م) في الردِّ على هؤلاء حينما قال: "وإنه لمن الجهل أن يتحدث إنسان عن غزو الفضاء وعن الوصول إلى القمر، ليقول: إن الإسلام يعارض ذلك، إنه من الجهل بالإسلام أن يقول إنسانٌ ذلك؛ فقد أنزل القرآن الكواكبَ منزلتَها بينما كان الآخرون يقدِّسونها؛ بل يعبدونها، يقول سبحانه لهؤلاء الذين سجدوا لها وعبدوها: "لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ" [فصلت: 37]؛ إنها مخلوقات، الله ربُّها..." [2].

فبعد أن حرَّر الإسلامُ الناسَ من خرافة تقديس الكواكب، دعاهم إلى النظر في الآفاق، والتأمل في الكون؛ ليرَوا آثار قدرة الله في خلقه، فقال تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" [فصلت: 53]، وعدَّ العلماءُ هذا النظر من أدلة وجود الله، وسمَّوا هذا الدليل بدلالة النظر في الآفاق [3].

وحكى لنا القرآن حوار إبراهيم مع قومه، فقال تعالى: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [الأنعام: 75 - 81].

وربما يضجَر بعضُ الناس من الكلام عن التوحيد والإيمان، والتحذير من الشرك والبدع وصناعة التماثيل؛ زعماً منه بأن الدِّين قد استقرَّ وترك الناسُ الجاهليةَ التي كانوا يعيشون فيها! ولا علم لنا -أيضاً- على أي كوكب يعيش هؤلاء؟!

فلا يزال هناك ملايين من البشر إلى الآن يعبدون البقر والفئران والتماثيل! حتى عبدوا ما يستحي اللسان من ذِكره.

ولا تزال الخرافات والشركيَّات، والبدع وعبادة القبور، والاستغاثة بالأموات - موجودةً ومنتشرة لدى آحاد الناس في القرى والمدن على حد سواء.

بل الذي يُدمي القلبَ أن هناك بعض الآراء من مقالات الفِرَقِ الضالَّة عن هدي السلف الصالح - أخذت تسلَّلُ بين الناس حتى عُدَّت حقائقَ مستقرة في أذهان الناس، وخير شاهد على ذلك روايات الرافضة عن الفتنة بين الصحابة المنتشرة بين العوام.

ألم يسمع هؤلاء عن الملحدين والمشكِّكين الذين تعالت أصواتهم داخل المجتمعات الإسلامية والعربية؟ وإلى الله المشتكى.

إن أول طريق لإصلاح الأفراد والمجتمعات لا بد أن يقوم على قاعدة الإيمان والتوحيد، ومنهما يستقي المصلحون بُذُورَ الإصلاح وأصوله، ثم تأتي السياسة والاقتصاد وغيرهما لتعضدَ المجتمعَ الإسلامي، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة؛ فقد رفض صلى الله عليه وسلم كلَّ عروض المُلْكِ والمال في بداية دعوته حينما أرسلت قريش عتبةَ بن ربيعة لتُثْنيَ الرسولَ صلى الله عليه وسلم عن دعوته ورسالته، في وقتٍ لم يكن للإسلام فيه شَوكة ولا دولة ولا مَنَعَةٌ، فقال عتبةُ للرسول صلى الله عليه وسلم: "يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به مِن هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرَنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً، سوَّدْناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رِئياً تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك الطِّبَّ، وبذلنا فيه أموالَنا حتى نُبرئَك منه..." [4].

وظلَّ النبي صلى الله عليه وسلم طَوال ثلاث عشرة سنة في مكةَ يربي الصحابة على معاني الإيمان والتوحيد، ولم يكن ثمَّةَ مُصلًّى للمسلمين بعدُ، أو بعبارةِ أحد الفضلاء: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني المُصلِّي قبل أن يبنيَ المُصلَّى"؛ بل حتى الصلوات الخمس فُرضت في السنة العاشرة من النبوة، بعد عشر سنوات من التربية الإيمانية في مكة، وفي ظل ابتلاءات واضطهاد من أعداء الإسلام، وثبات أسطوري من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالإنسان قبل البُنيان، وإذا دخل الإيمان القلبَ، فلا صوتَ يعلو فوق صوت الإيمان.

وقد حكى لنا الصحابة - وخاصة الصغار منهم - كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الصحابة على معاني الإيمان قبل أن يعلِّمَهم القرآن، وقبل أن يعلمهم الأعمال والعبادات؛ فعن جُنْدب بن عبد الله قال: "كنَّا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيانٌ حَزاوِرَةٌ، فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددْنا به إيماناً" [5].

وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "لقد عِشنا بُرْهةً من دهرنا وإنَّ أحدَنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلَّم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يُوقَفَ عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن"، ثم قال: "لقد رأيت رجالاً يُؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يُوقف عنده منه، ينثُرُه نَثْر الدَّقَل" [6].

ولمَّا سارت البشرية خلف معسكرين: شرقي شيوعي، وغربي رأسمالي، وتركت معسكر الإيمان (وحي السماء)، حلَّ الخراب والفساد، واختلَّ الميزان بين الناس، وما الذي خلَّفته الأيديولوجيات والفلسفات من ضحايا الحروب - وخاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية - منا ببعيد، ولا تزال آثارهما باقية إلى يومنا هذا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن تدبَّر أحوال العالم، وجد كلَّ صلاح في الأرض فسببُه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل شرٍّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليطِ عدوٍّ وغيرِ ذلك - فسببُه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، والدعوةُ إلى غير الله، ومن تدبَّر هذا حقَّ التدبُّر، وجد هذا الأمر كذلك في خاصَّةِ نفسه وفي غيره عُموماً وخصوصاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". [7]

لقد عجزت الأديان الوضعِيَّة، والأيديولوجيات السياسية، والفلسفات الشرقية منها والغربية، وقبل كل هذا الديانات السماوية المحرَّفة: النصرانية واليهودية - عن أن تعالج الصراعات والأمراض النفسية التي طغتْ في البلاد، وشقي بها العباد، وأصبح الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يُلغيَ عقله ويتَّبع عقيدته، أو أن يُعمِل عقله ويضرِب بالإيمان عُرْض الحائط؛ فإما أن تفكِّر وتكفر، وإما ألَّا تفكر ولا تكفر! ولله درُّ العقاد حينما كتب كتابه (التفكير فريضة إسلامية)، وأرسى قانوناً في غاية الأهمية، وهو أن التفكير يوجب الإسلام، والإسلام يوجب التفكير.

ولقد سأل الإنسان نفسه في كل زمان وفي كل مكان ثلاثة أسئلة: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ حتى عُدَّت هذه الأسئلة بأنها الأسئلة الخالدة، وانتهض للإجابة عن هذه السؤالات فلسفات وأيديولوجيات، لم ولن تصل إلى إجابة يقينية شافية كافية للإنسان، ألم تسمع خبر إيليا أبو ماضي (ت 1957م) في طلاسمه وهو يقول:

جئتُ لا أعلم من أين ولكنِّي أتيتُ
ولقد أبصرت قُدَّامي طريقاً فمشيتُ
وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيتُ
كيف جئتُ؟ كيف أبصرت طريقي؟
لستُ أدري!
أجديدٌ أم قديم أنا في هذا الوجودْ
هل أنا حرٌّ طليق أم أسيرٌ في قيودْ
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مَقُودْ
أتمنَّى أنني أدري ولكنْ...
لستُ أدري!

أما المؤمن وحده، فهو يدري، وصدق الله إذ يقول: " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ" [المؤمنون: 115، 116].
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقسم العلماء مقاصد الشريعة إلى ثلاثة أقسام:
1- المقاصد الضرورية: وهي "ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارُج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين".
2- المقاصد الحاجية: وهي "ما كان مفتقَراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلَّفين - على الجملة - الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة".
3- المقاصد التحسينية: وهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنِّسات، التي تأنفها العقولُ الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، والمقاصد التحسينية حامية للمقاصد الحاجية، وخادمة للمقاصد الحاجية والضرورية. [انظر في ذلك: مجلة البحوث الإسلامية - الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء - العدد الخامس والتسعون - الإصدار من ذي القعدة 1432هـ إلى صفر 1433هـ].
[2] د. عبدالحليم محمود - موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة - دار الرشاد، القاهرة - ط 1424هـ = 2003م - ص 101.
[3] الآفاق: جمع أُفق: وهو الناحية، قال عطاء: " فِي الْآفَاقِ": يعني أقطار السموات والأرض؛ من الشمس والقمر والنجوم، والليل والنهار، والرياح والأمطار، والرعد والبرق والصواعق، والنبات والأشجار، والجبال والبحار، وغير ذلك.
[4] ابن هشام - السيرة النبوية لابن هشام - تحقيق: مصطفى السقا وآخرين - مكتبة الحلبي، مصر - الطبعة الثانية - جـ 1 - ص: 293.
[5] رواه ابن ماجه (كتاب الإيمان - رقم: 61)، (حزاورة) جمع الحزور: وهو الغلام إذا اشتد وقوي وحزم.
[6] رواه الحاكم في المستدرك رقم (101)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه، والدقل: رديء التمر ويابسه.
[7] ابن تيمية - مرجع سبق ذكره - جـ 15 - ص: 25.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.