المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام السـُكَّري Headshot

مصر على طريق سوريا والعراق

تم النشر: تم التحديث:

"نحن لسنا في ظروف تقليدية، نحن الآن في حرب وهناك مؤامرة كبرى يقودها العالم للهجوم على النظام وتقويضه".

"حرية الرأي وفكرة الصحافة المستقلة قد تكونان ترفاً عندما يكون الوطن في مواجهة حرب تهدد وجوده".

قد تكون هذه العبارات مألوفة للسمع في مصر، ولكنني سمعتُها ودونتُها من واقع زيارة قمت بها لسوريا منذ نحو عشرة أعوام، شاركت وقتها في ندوة كانت في ختام دورة تدريبية نظمتها "بى. بى. سي" في العاصمة دمشق، لا أكاد أذكر من هذه الزيارة شيئاً على الإطلاق باستثناء هذه الخلاصة من الحوارات التي صكت سمعي، واستغربت صدورها في ذلك الحين من صحفيين ومسؤولين.

لم يكن يدور بخلد من رددوا هذه العبارات، أن القمع والديكتاتورية والتعذيب والانفراد بالرأي لا يمكن أن تكون وصفة سحرية للحفاظ على الوطن، وأن الوصفة المعروفة والمجربة هي: التنوع، والتعددية، والشفافية، والمحاسبة، والتخطيط، وإرساء دعائم مجتمع العدل والقانون.

ومن المثير للدهشة أن يستخدم مؤيدو الفاشية والديكتاتورية في مصر النموذج السوري بالتحديد ليدعم رؤيتهم "الوطنية" الحقة، ويتعاموا لسبب ما عن حقيقة أن سوريا آلت لما آلت إليه؛ لأن قيادتها انتهجت المنهج ذاته الذي يدعون إليه ويروجون له.

لا تكف آلة التوجيه المعنوي المصرية عن استخدام سوريا والعراق وقوداً ليدفع الناس في مسار مطابق، لا يمكن له أن ينتهي إلا بحالة مشابهة، بعد المحاولات الدؤوبة لاغتيال منظمات المجتمع المدني، وحالة التصحير الكامل لمسارات التنوع السياسي والإعلامي.

لهذا السبب لا يبدو غريباً أن تتماهى أبواق الفاشية والديكتاتورية في مصر مع حالة الديكتاتور السوري، إلى الحد الذي جعلهم يؤيدون نظام بشار بنفس الهمجية التي طبعت مؤيدي نظامه، في كل مرة يتم فيها قصف المدنيين والأطفال، وارتكاب مزيد من الجرائم ضد الإنسانية.

ما يجري في حلب بالنسبة لهم مبالغة لا معنى لها، وصور القتلى تحت أنقاض المستشفى الذي قصفته قوات النظام "مضروية"، و"الولولة" على المدنية التي "تزعمون أنها تحترق" لا تعدو أن تكون جزءاً من "تعليمات من قطر وتركيا".

يدفعون مصر في نفس مسار سوريا الذي نعرف اليوم إلى أين ينتهي، أكثر مما كان المسؤولون السوريون يعرفون، عندما لاكوا نظريات المؤامرة وتنظيرات حماية الوطن بالقمع.

في هذا العهد المبارك تحتل مصر المرتبة 159 على مستوى العالم ضمن المؤشر العالمي لحرية الصحافة، وبين نحو عشرين دولة في العالم العربي نتربع في المرتبة السادسة عشرة، وطبقاً للجنة حريات نقابة الصحفيين، فهناك أكثر من 42 صحفياً بين محبوس ومهدد بالحبس، بخلاف صدور أحكام غيابية بالحبس في قضايا نشر. في أسبوع الغضب، تم توقيف واحتجاز أكثر من 46 صحفياً أثناء تأدية عملهم، فيما تم اقتحام منازل آخرين أكثر من مرة، ومنهم عمرو بدر ومحمود السقا من "بوابة يناير" المعروفة بخطها المستقل.

يحدث هذا وسط صمت وأحياناً مباركة من قطاعات واسعة، تم اختزال مفهوم الوطن لديها في تصور هلامي، جرى تسويقه شعبياً ليصبح مفهوماً فضفاضاً يستثير المشاعر وتفيض الأحاسيس عند ذكره دون أي معنى.

وطن لا علاقة له بالبشر الذين يعيشون فيه، ولا بالأرض التي ترسمها حدوده، ولا بالقيم التي تحكم العلاقة بين أفراده والسلطة التي يختارونها، كلها يمكن انتهاكها أو التنازل عنها؛ ليظل هذا الوطن كما أرادوه منذ البداية.. وطن حضن.. لهم فقط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.