المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الدين عوض Headshot

لماذا يتدعشنُ شباب أوروبا؟

تم النشر: تم التحديث:

عشتُ طَوالَ عُمري مهموماً بالبحث عن إجاباتِ أسئلتي الكبرى، في أبواب الخلق والرزق، والحياة والموت.

كنتُ أحملُ الأسئلةَ التي كانت تُلِحُّ على عقلي وقلبي، وأظلُّ أطوف بها على من أعرِفُهم لعلَّي أجدُ عندهم ما يروي الغليل أو يشفي العليل.

ولأنّ ثقافَتَنَا العربية المتعجرفةَ تحولُ بيننا وبين قول: لا أدري! فقد كانَ أكثرُهُم يجيبُني بهدوءٍ لا يخلو من ثقة، وبثباتٍ لا تنقصُه الجسارة! وإن لم يحيطوا بعلمه ولَمَّا يأتهم تأويلُه!

فكان ذلك المسلكُ يزيدُ حيرتي حيرةً، ويُحيلُ دهشتي إلى اضطرابٍ وتيهٍ في فيافٍ شتى، حتى قررتُ أن أبحثَ بنفسي، وأن أسعى إلى الحقيقة مستعيناً بربي (ومن لم يجعلِ اللهُ له نوراً فما له من نور).

عندما ظهرت الإنترنت؛ لتتشعب معها مناهلُ معرفتي وتتسع بها دوائرُ معارفي.. أدركتُ أن الخطأَ كان عندي! فقد كنتُ أسألُ مَن هم على شاكلتي! ولو كانوا يعرفون أكثر منّي لما وضعني القدرُ في محيطهم ولما رستْ مراكبي على شطآنهم!

بعدَ سنواتٍ من المطالعة والبحث ومحاولات الفهم والتحليل والاستنتاج.. وجدتُ إجاباتٍ شافيةً ووافيةً على كثيرٍ مما سألت، بيد أني كلما وجدتُ إجابةً.. أسلمتني بدورها لأسئلةٍ أُخَر وفتحت عليّ أبواباً كُبراً!

فأشفقتُ على حال مَن قال الله فيهم: (وفرحوا بما عندهم من العلم).. واستسلمتْ كلُّ ذرةٍ في كياني أمام قوله: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) صدق الله العظيم.

من بين الأسئلةِ التي أشغلت بالي، واستبدّت بخيالي: لماذا يتدعشنُ شباب أوروبا؟
قد كان مفهوماً أن ينضمَّ بعضُ شبابِ أمتنا ممن ضربت الأحاديةُ أفكارهم، ودهست العصبيةُ تصوراتهم إلى هذا
التنظيم الذي أساء للإسلام والمسلمين، فشبابُ أمتنا يغشاهم الإحباطُ ويوليهم ظهره الأمل، يفتقدون القدوة ويفتقرون للمَثَل، ويهيمون على وجوههم مأخوذين ببطش أنظمةٍ استبداديةٍ تحولُ بينهم وبين أحلامهم المشروعة في العزة والكرامة، ومُنسحِقين بين مطرقة فقهاء التقليد، وسندان أدعياء التنوير!

شبابُ أمتنا ضحايا نظام تعليمٍ متخلفٍ يقومُ على التلقين والتحفيظ.. لا على النقد والتحليل والبحث والتحقيق.

يوماً ما.. سألتُ زوجتي التي نالت تعليمها المدرسي في الولايات المتحدة الأميركية.. قلتُ لها: ما الذي يميزُ المعلم في مدارسهم عن نظيره في بلادنا؟ قالت: عندما يخطئُ التلميذُ في جواب سؤال، فإنّ المعلم هناك يردُّ عليه بقوله: "حاول مرةً أخرى"!
(Give it another try)

أما في بلادنا المهزومة المأزومة.. وحين يخطئ التلميذ، فإن المعلِّم يبادره بقوله: "أأنت غبي؟".. "ألهذه الدرجة لم تفهم ما شرحتُه أيها البليد المتبلد؟".

ولعلّ هذا المعلم نفسه قد تخطى مراحل تعليمه بشقِّ الأنفس! فنقل لغيره ما عاناه، وصنعَ على عينه وحوشاً كتلك التي صنعها غيرُه فيه!

ولأنّ الجامعات في بلادنا لا يمكنُ دخولها إلا على أساس مجموع درجات الطالب في الثانوية العامة، فقد تسببت هذه الفكرة العبقرية التي ليس لها في دول العالم المتقدم مثيل ولا نظير -ويا لها من مفارقة!- تسببت في أن يصبحَ الطالبُ المتعثرُ دراسياً، والذي كانت تكالُ له ألوان الإهانات وضروب التنقيصات من معلميه طوال مراحل تعليمه -أن يصبح هو- (الباشا) الذي يملكُ السلطةَ والسطوةَ، بحيث يدينُ له ويخضعُ لسلطانه أقرانُه الذين كانوا يفوقونَهُ طوال سنيّ دراستهم! لكنّ تفوقهم ألقى بهم في كليات الطب والهندسة والصيدلة والعلوم السياسية!

لهذا ولغيره.. فقد هالني -عندما جئت إلى أوروبا- أن أجدَ من الشباب الأوروبي من يقبلُ على الانضمام لـ"داعش" وأمثالها!

كنتُ أتساءل: كيف تسنّى لهؤلاء الذين تعلَّموا في ظلال أنظمة التعليم الراقية التي خَرَّجت العلماءَ الذين حصدوا بدورهم جوائز نوبل في الطب والهندسة والعلوم المادية والإنسانية.. كيف في هذه الفتنة سقطوا؟ وإلى تلك الهوة انزلقوا؟

فأدركتُ أن الإشكالَ يكمُنُ فيما صدَّرنَاهُ نحنُ إليهم! وكأننا لم نكتفِ بفساد واقِعِنا ورقِّة حالنا ومآلنا! فرحنا نفسدُ واقعَ الغير!
حينَ صدّرنا لهم مفاهيمَنا التي اختلطت بالبداوة، وامتزجت بالعادات والتقاليد والأعراف.. على أنها هي الإسلام!

ولأنّ المجتمعات الأوروبية غارقةٌ حتى الثُمَالة في السّرفِ والتّرف، ومثقلةٌ بآفات المادية البشعة والرأسمالية الجشعة، ولأنّ هؤلاء الشباب يبحثونَ عن ذواتهم المذبذبة المضطربة، فقد وجدَ بعضُهم ضالته في الخطابِ الذي يدغدغُ مشاعرهم الغضّة بأوهامِ الفضيلة التي تقابلُ رذيلتهم، والنقاءِ الذي يكشفُ نجاستهم، والحقِّ الذي يسطعُ فوق باطلهم!

بدلَ أن نتعاطَى مع الأمم الأخرى وفق قول الله: (يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فندعوهم إلى الحقِّ الذي صار مسؤوليةً علينا بعد أن عرفناه، وأمانةً في أعناقنا إذ اهتدينا إليه..

صنّفنَا العالمَ إلى مؤمنينَ في مقابلِ كفار، وقسمنا دوله إلى دار إسلامٍ تواجهُ دور حربٍ! وسقنا آيات الله في غير مساراتها، واستدعينا أقوال سلفنا من الأئمة الأعلام لنسقطها على غير مواضعها، علّنا نلتمسُ لأمتنا نجاحاً واحداً بين ركام الفشل والتردي، وإن لم يكن لنا فيه يد!

فإن كنا نلبسُ ما يصنعون، ونأكلُ ما يزرعون، ونتداوى بما يخترعون، وبدلَ أن نأخذَ بأسبابِ التقدم ونلتمسَ سبلَ التطور كما فعلوا هم حين نقلوا عنا يوماً، استسهلنا كيلَ الاتهامات وأعملنا مباضع التصنيف في الجراحات، وكأننا سنصبحُ رقماً حين يكونُ غيرنا أصفاراً! نحنُ الأبرار وهم الفجار! نحنُ الفرقةُ الناجيةُ والطائفة المنصورة وهم الكفارُ، نحنُ أبناء الله وأحباؤه وهم أهل النار!

ذهلنا عن كون (الولاء والبراء) إنما يكون للمبادئ وليس للأشخاص إلا بمقدار لزومهم هم أنفسهم لهذه المبادئ والقيم أو مفارقتهم لها، وتناسينا أن الإسلام نزلَ على قومٍ يولون وجوههم قِبَلَ القبيلة، ويتعصبون للعصب، فجاءَ الإسلامُ ليوحِّدَهُم وليُوَجِّهَ انتماءاتهم العصبية في وجهة الأمة، وليجعل أخوة الإسلام أولى من أخوة النسب، والانحياز إلى الحق والعدل مقدماً على العائلة ووشائج القرابة، لكننا جعلنا من هذا المفهوم الإسلامي العظيم سيفاً مسلطاً على رقاب البشر ولو لم يشهروا السلاح في وجوهنا يوماً أو بعض يوم، وأدخلنا المسائل الفقهية التي يسوَّغُ فيها الخلاف إلى أبواب العقيدة التي لا تحتمل التعدد والتبعض، ولا تقبل التوريات والمواربات والمواءمات!

وكلما قامَ أحدُنا لينفضَ عنا ذلك الغبار الذي علقَ بأمتنا على امتداد ثلاثة قرون، سارعنا لاتهامه وبادرنا إلى إسقاطه، حتى لا يبقى لنا سوى المشايخ الذين أحطناهم بهالات القداسة، وخلعنا عليهم من ألقابِ العصمة ما يأباه على أنفسهم أهل العلم الكبار، ممن نبذوا تقليدَهُم، وقرروا قاعدتهم: لا يُعرَفُ الحقُّ بالرجال!

حين تُدرِكُ أمتنا أن الداءَ فينا وأنّ العلاج بأيدينا..
حين نفهمُ أن الدين وسيلةُ هدايةٍ.. يخرجُ الناسَ من الظلماتِ إلى النور، وليسَ محكمةَ تفتيشٍ تصادرُ حقوقهم، وتُصدرُ فيها أحكامُ التصنيف القاسية المتجنية على أجناسهم وأنواعهم وألوانهم.

حينَ نعرفُ أن حريةَ الفكر والاعتقاد، حقوق الإنسان، تداول السلطة، شفافية توزيع الثروة، العدالة الاجتماعية، هي قيمٌ نالَ الإسلامُ قصبَ السَّبْقِ إليها قبلَ أهلِ الأرض جميعاً، وقبلَ أن يعرفوا هم معنى الحضارةِ أو الإنسانية!
عندها وعندها فقط.. يمكنُ أن يتغير الحال.. وأن يتبدّل الواقع!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.