المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الدين عوض Headshot

الدائرة.. على متن رحلة الخطوط التركية

تم النشر: تم التحديث:

في رحم أفضل ناقل في أوروبا لخمس سنوات متتالية، وعلى ارتفاع أكثر من عشرة آلاف متر، ورغم رداءة الوجبة المفروضة بقوة الواقع على ركاب الدرجة الاقتصادية من "الغلابة" أمثالي، فضلاً عن عجرفة المضيفات اللائي يشعرنك بأنك تتسول منهن إحساناً حين تطلب "خبزاً إضافياً" رغم ابتسامة متكلفة يصبغن بها وجوههن وهن ينادينك "مع السلامة" لدى مغادرتك للطائرة حين يدركن أنك عربي مبتلى بعروبتك!

قررتُ أن أخلي بين نفسي وبين سيول الخواطر التي تنتهك خاطري وسهام التأملات التي تحتلّ وجداني في كل مرة أركب فيها الطائرة وأنا أرى البيوت الفارهة تتقزم وتتضاءل فكيف بساكنيها! وذلك حين اكتشفت أن آخر أفلام ممثلي المفضل يقع على رأس القائمة المتاحة للمشاهدة!

ما زلت أذكر المشهد العبقري الذي رسمه بريشة إبداعه في "كاست أواي"، وهو يفاخر بأنه قد نجح أخيراً في أن يشعل النار على ظهر الجزيرة الاستوائية التي ألقاه فيها اليمّ بعد أن تحطمت طائرته، وبعد أربع سنوات كاملة قضاها وحيداً -اللهم إلاّ- من صديقه الاصطناعيّ "الكرة الطائرة ويلسون"! ثم هو يصنع الفلك ويقرر العودة إلى موطنه الغارق في وحل المادية!

وليس أقسى من أن يعود الإنسانُ إلى عالمٍ اعتبره ميتاً ولم يعد يحفل حتى بذكراه! (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران: 185.

في لقائه الأول من بين أربعة لقاءات جمعته مع المخرج البارع "ستيفن سبيلبيرغ" المعروف بتعصبه ليهوديته، إلا أنّ فيلمهما "إنقاذ الجندي رايان" يعدُّ أحد أهم الأفلام التي صورت معارك الحرب العالمية الثانية بكل وحشيتها ودمويتها، لدرجة نصح معها الأطباء النفسيون من حضر الحرب ألا يشاهد الفيلم حتى لا يؤثر ذلك على حالته النفسية لشدة واقعية مشاهده، وهي الحرب التي توحشت فيها وبعدها أميركا وقالت بلسان الحال قبل المقال: "مَن أشد منا قوة"!

وجسَّدَ يوماً شخصية والد زوجته الذي هرب من معسكرات الاعتقال الشيوعية؛ حيث لعب دور لاجئ "قيرغيزي" يدعى "فيكتور نوفوسكي" وجد نفسه عالقاً في مطار "جون إف كينيدي" بنيويورك لمدة سنة كاملة؛ ليفاجأ المشاهدون في نهاية رائعته "ذا تيرمينال" أنه صمد هذا الصمود وقطع هذه المسافة، حتى يفي بوعدٍ كان قد قطعه على نفسه لأبيه قبل وفاته.

كما لعب دور البروفيسور "روبرت لانجدون" أستاذ علم الرموز الدينية في هارفارد، تلك الشخصية التخيلية التي تمحورت حولها روايتا الأديب الأميركي الاستثنائي "دان براون": "الرمز المفقود" و"شيفرة دافنشي"؛ حيث تحولت الأخيرة إلى فيلم سينمائي حاربته الفاتيكان فآتى أكله ضعفين! حيث قام الفيلم على نقض دعوى ألوهية المسيح عليه السلام.

أما تحفته "ذا جرين مايل" التي جسد فيها دور الضابط الإنسان (بول) حارس أحد سجون تنفيذ حكم الإعدام، وحيث يساق إليه سجين ليس كأي سجين، هو الأسود الضخم (جون كوفي) المتهم باغتصاب طفلتين وقتلهما، ويضطر (بول) في النهاية إلى تنفيذ حكم الإعدام في ذلك الوحش! الذي يملك قلب طفل، وروح ملاك، لكنّ الحياة لم تخلق لمثله!

وفي فيلمه "كابتن فيليبس" المقتبس من قصة واقعية؛ حيث قررت مجموعة من القراصنة الصوماليين الاعتداء على سفينة شحن أميركية كانت تبحر في المحيط الهندي، يحاول القبطان "فيليبس" التفاوض معهم حتى تنجح قوة من العمليات الخاصة بالبحرية الأميركية في قتلهم قنصاً، وبرغم ما أظهره الفيلم من بشاعة القرصنة وشناعة الخطف والقتل، لكنه فشل في تجميل وجه الحضارة الأميركية التي قامت هي نفسها على تلك القرصنة يوماً! (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: 46.

توم هانكس.. ليس نجماً هوليودياً وسيماً ممن تتبارى المراهقاتُ على اقتناء صور جسده الفخم الضخم المرصع بالعضلات المزيفة، ولا بطلاً مصطنعاً على الورق وفوق شاشات السينما ممن يُبيدون جيوشاً بأكملها دون أن يطرف لهم جفن، أو ينالهم خدش!

توم هانكس.. إنسانٌ، وبرغم كل ما قد ينتقد بشأنه، إلا أنّه يمثلُ قطعةً زاهيةً في ثوبٍ مرقعٍ مبقعٍ غزلته المادية، وخاطته الرأسمالية؛ لتتسربل به السينما الأميركية التي تصفق لها ملايين الجماهير الهادرة في أقطار الأرض.

ولعله الممثل الوحيد الذي ما زال يعيش مع نفس الزوجة منذ أكثر من 30 عاماً، وقد وقف معها حينما هاجم السرطان جسدها وساندها حتى شفيت منه.

أعود لفيلم "ذا سيركل" أو (الدائرة)، الذي شاهدته على متن رحلة الخطوط التركية، بطلة الفيلم "ماي هولاند"، فتاةٌ تقليدية بسيطة، تسعى للحصول على فرصة عمل -من خلال صديقتها الحميمة "آني" براتب رائع في واحدة من أكبر الشركات التقنية المتخصصة في اصطناع العوالم الافتراضية على شبكة الإنترنت، ويديرها "بايلي" (توم هانكس).

يحكي الفيلم ثورة الاتصالات التي غيرت الواقع، وحملت بعض الناس على الهروب من عالمهم المليء بالإحباطات والمشكلات إلى عالمٍ آخر موازٍ بحيث يعاد فيه تدوير شخوص بعضهم في شخوصٍ أخرى أكثر توهجاً وأنضر بريقاً وخيراً منها زكاةً وأقرب رُحماً!

بين عشية وضحاها تكتسب الفتاة الاعتيادية مئات الآلاف من المتابعين والمريدين.. يسمونه "الحظ"! ونسميه نحن "الرزق"! هو باختصار: سرّ قد يفسر أحياناً كيف يتقلّب الجهال على الفرش الوثيرة! فيما يموت المفكرون والعلماء كمداً! ويموتُ بعضهم عجزاً عن سداد مديونيته لدى المشفى الذي قبض فيه.

وكأنّي بالفيلم يريد أن يقول: ليست هناك علاقة مؤكدة بين الشهرة - المال - الترقي في الوظيفة.. وبين كفاءتك أو قدراتك! فضلاً عن ساعات عملك وعطائك في مقابل عطلاتك.

ما يثير التأمل: أن بطلة الفيلم التي التحقت بهذه الشركة الكبيرة حتى تعيل أسرتها البسيطة المكونة منها وأمها وأبيها العاجز، تنقطع عنهم وتنفصل عن حبيبها الذي يعمل في مهنة متواضعة، بعد أن بهرتها أضواء الشهرة الأخاذة، فأرهقت وأزهقت بساطتها.

فيما يستعد العالم للدخول إلى الحقبة التقنية السابعة بعد أن أعلنت هولندا عن وقف إنتاج السيارات التي تعتمد على الوقود الأحفوري بحلول عام 2025، فضلاً عن قطع الشركات الألمانية والفرنسية شوطاً مذهلاً في إنتاج السيارات ذاتية القيادة، ما زلنا نتجادل في منطقتنا العربية، في حكم قيادة المرأة للسيارة!

وبينما يبحث الناس عن حلول للتحكم في الهوس التقني لدى الأطفال، يسرف أبناء أمتنا في التعالي والتغالي في المفاخرة بفتوحاتنا الجنسية التي تعكس فحولة ربما لا يملك ذكورنا سواها!

وحين تنشغل المختبرات الطبية العالمية بإشكالية التحور الذكي للفيروسات التي صارت تتغلب على مضاداتنا الحيوية السائدة، ترزح أمتنا تحت نير الاستبداد السياسي ويحكم واحدة من أكبر دولها العربية شخص لا يعرف شعبه إذا كان على قيد الحياة أم قِبَلَ الموت!

وحيث نأكل ما يزرعه غيرنا، ونلبس ما يصنعونه، ونتداوى بما يخترعونه.. يصدر مفتي واحدةٍ من دولنا الإسلامية رسالة بعنوان "وجوب معاداة اليهود والمشركين وغيرهم من الكفار"!

وأمام سعي البعض للهروب من واقعهم إلى دوائر افتراضية موازية، اضطراراً لا اختياراً.. نعيش نحن في دائرةٍ مغلقة صنعناها بمحض إرادتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.